ما مضى حال الأمة الإسلامية عامة، حيث أُصيبت بهذا المصاب العظيم.
وأما إذا خصصنا بلاد الأندلس بالحديث، حيث قضى فيها القرطبي حياته الأولى، فوُلدَ ونَشأ، وتعلم فيها.
فقد عاش القرطبي حياته في عهد دولة الموحدين التي أسسها عبد الله بن تومرت، حيث خرج على المرابطين سنة (٥١٥ هـ) وسقطت مراكش عاصمة ملكهم على يد خليفته عبد المؤمن بن علي سنة (٥٤١ هـ).
ثم زحف إلى الأندلس فاستولى على ملكهم هناك وأصبحت قرطبة عاصمة دولة الموحدين في الأندلس، ومنطلق جيوشهم.
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٤٨).
(٢) المفهم (١/ ٢٧٦).
[ ٨١ ]
وقد سيطر الموحدون على بلاد الأندلس، وصدوا هجمات النصارى، وخاضوا معهم عدة معارك.
وكانت ولادة أبي العباس القرطبي في عهد يوسف بن عبد المؤمن، الذي حكم أكثر من عشرين سنة (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) (^١) ثم جاء بعده ابنه يعقوب المنصور (^٢)، واستمر حكمه حتى سنة (٥٩٥ هـ)، وقد خاض مع النصارى معركة "الأرك" سنة (٥٩١ هـ) (^٣)، وانتصر فيها انتصارًا ساحقًا، وقتل وأسر أعدادًا كبيرة من النصارى.
ثم جاء بعده ابنه محمد الناصر الذي حكم حتى توفي سنة (٦١٠ هـ) (^٤) بعد هزيمته سنة (٦٠٩ هـ) في معركة "العقاب" (^٥) الشهيرة مع النصارى، والتي كانت سببًا في ضعفه وتمزق جيوشه، ثم وفاته حسرة بعد المعركة بزمن يسير.
وقد خلف ابنه يوسف المنتصر حيث تولى الحكم وهو صغير، مما جعل الممالك التابعة له لا تخضع له ولا تدين له بالطاعة حتى توفي سنة (٦٢٠ هـ) (^٦).
فتولى بعده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لعدة شهور، ثم عبد الله بن يعقوب المنصور، ثم إدريس بن يعقوب، فتوالى الملوك واحدًا بعد الآخر، لا يستقر الملك لأحد إلَّا مدة قصيرة، مما أضعف هذه
_________________
(١) دولة الإسلام في الأندلس، عصر المرابطين والموحدين، محمد عبد الله عنان ص (١٠).
(٢) المرجع السابق ص (١٤٠).
(٣) المرجع السابق ص (١٩٦).
(٤) المرجع السابق ص (٢٤٩).
(٥) المرجع السابق ص (٢٨٢).
(٦) المرجع السابق ص (٣٢٨).
[ ٨٢ ]
الدولة، فانتقلت من ضعف إلى ضعف، مما أطمع فيها النصارى فهاجموها فتساقطت المدن بأيديهم واحدة بعد الأخرى (^١)، حتى سقطت قرطبة حاضرة الأندلس، وعاصمة الموحدين، ومدينة القرطبي، وذلك سنة (٦٣٣ هـ)، حيث وُضع الصليب على جامعها وحُوِّلَ إلى كنيسة، ورحل المسلمون عنها، فتفرقوا في البلاد الإسلامية (^٢)، وكان فيمن رحل أبو العباس، حيث خرج في هذا الوقت أو قريبًا منه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وقد بيَّن القرطبي -﵀- وهو المعاصر لهذه الأحداث أن سبب تسلُّط الأعداء عليهم إنما كان لاختلافهم وتفرقهم حيث قال: "ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة، وهاهم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف" (^٣).