توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، واستحقاقه لها وحده دون سواه قولًا وفعلًا وقصدًا. ويسمى هذا التوحيد توحيد العبادة، وتوحيد الطلب، وتوحيد القصد والإرادة.
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أصل دين الرسل، ومفتاح دعوتهم الذي فاتحوا به أقوامهم، فكل رسول أرسل إلى قومه يدعوهم بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١) كما أخبر الله عنهم في كتابه، وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحدٍ سواه، وهو معنى قول: "لا إله إلَّا الله" وهو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢). بل كل آية في القرآن فهي متضمنة لهذا التوحيد وحقوقه وجزائه، كما دلَّت على ذلك سورة "الفاتحة"، و"قل ياأيها الكافرون"، وأول سورة "الزمر" وآخرها، وأول سورة "يونس" ووسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام" وغالب سور القرآن (^٣).
فمن أجل هذا التوحيد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله، ومن أجله شرع الله الجهاد، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، بل هو المقصود الأعظم من خلق الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٩.
(٢) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
(٣) انظر: مدراج السالكين لابن القيم (٣/ ٤٤٩)، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ (٣٦).
[ ٢٦٧ ]
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١).
فهو أول واجب على المكلف، وآخر واجب عليه، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم، وشآقَّت فيه قريش رسول الله -ﷺ-، وقالت: أجعل الألهة إلهًا واحدًا، فهم أقروا بربوبية الله وقدرته على الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وأنكروا تفرده بالإلهية والعبادة، فقاتلهم رسول الله -ﷺ-، وأمر بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، ويأتوا بلوازمها ومقتضياتها، ولهذا فإن إقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلَّا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلَّا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر (^٢).
وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة في الدعوة إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٢) انظر: التدمرية لابن تيمية ص (١٩٦)، وتيسير العزيز الحميد لآل الشيخ ص (٣٧).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢، ١٦٣.
(٥) سورة النحل، آية: ٣٦.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
[ ٢٦٨ ]
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.
وفي السنة ما روى ابن عباس﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن قال: "إنك تقدُمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله -﷿- فإذا عرفوًا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" (^٢).
وعن معاذ بن جبل -﵁- قال: "أنا رديف النبي -ﷺ- فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك قال: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألَّا يعذبهم" (^٣). إلى غيرها من الأحاديث الشريفة الدالة على هذا المعنى.
وهذا هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال -ﷺ-: "الأنبياءُ إخْوةٌ من علَّات، أمَّهاتُهُم شتَّى، ودينهم واحدٌ" (^٤).
قال القرطبي: "قوله: "دينهم واحد" أي: في توحيدهم وأصول
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٦٥.
(٢) سبق تخريجه ص (١٩٠).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٥٩).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ح (٣٤٤٣) (٦/ ٥٥٠)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ح (٢٣٦٥) (١٥/ ١٢٨).
[ ٢٦٩ ]
أديانهم" (^١).
وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن شايعهم في عدم التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فجعلوا توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل ﵈" (^٢).
وقد بيَّن القرطبي أن شهادة أن لا إله إلَّا الله تعني عبادة الله وحده دون سواه، ولم يذكر قول الأشاعرة الذين جعلوا معناها أي لا خالق ولا موجود إلَّا الله، حيث قال عند شرحه لحديث ابن عمر -﵁- الذي قال فيه -ﷺ-: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله " (^٣): "قد روي من طرق، ففي بعضها "شهادة أن لا إله إلَّا الله" وفي بعضها: "على أن تعبد الله وتكفر بما دونه" فالأولى نقل للفظ، والأخرى نقل بالمعنى" (^٤).
وقال في موضع آخر: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة" (^٥).
وقد تبين لنا فيما سبق رد القرطبي على المتكلمين في مسألة أول واجب على العبد، وتشنيعه عليهم فيما ذهبوا إليه، وبيَّن أن أول الواجبات النطق بكلمة التوحيد، حيث قال عند شرحه لحديث معاذ -﵁- (^٦):
_________________
(١) المفهم (٦/ ١٧٦).
(٢) انظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٥، ٢٩).
(٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي -ﷺ- بني الإسلام على خمس ح (٨، ١/ ٦٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام ح (١٦، ١/ ٢٩٠).
(٤) المفهم (١/ ١٦٩).
(٥) المفهم (١/ ٢٩٠).
(٦) سبق تخريجه ص (١٩٠).
[ ٢٧٠ ]
"قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي -ﷺ- به معاذًا- هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي -ﷺ- يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (^١).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٨١).
[ ٢٧١ ]