اختلف العلماء في الإسلام والإيمان، والعلاقة بينهما، فهل هما بمعنى واحد، أي الأسماء من باب الترادف أم لا؟ . على أقوالٍ:
القول الأول:
من قال إنهما بمعنى واحد، فهما مترادفان، فيطلق كل منها على الآخر، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
١ - أن الله -﷾- سمى الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمَّى به الإسلام، وذلك كقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (^٣).
٢ - قول النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم" (^٤).
وممن قال بهذ القول الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه في كتاب
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.
(٣) سورة الذاريات، الآية: ٣٥، ٣٦.
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٩).
[ ١٥٣ ]
الإيمان ما يدل على قوله بهذا (^١). ومحمد بن نصر المروزي (^٢)، وابن عبد البر وابن منده (^٣)، وابن حزم وغيرهم. وقد بوَّب ابن منده في كتابه "الإيمان" فقال: ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد (^٤).
وقال ابن عبد البر: وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر (^٥).
وقال المروزي: وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث أن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه (^٦).
القول الثاني:
من فرَّق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
- قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
_________________
(١) كتاب الإيمان باب (٣٧) فتح الباري (١/ ١٤٠).
(٢) هو محمد بن نصر المروزي الإمام الفقيه، الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، من تصانيفه: "تعظيم قدر الصلاة" و"القسامة"، توفي سنة (٢٩٤ هـ) تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧)، صفة الصفوة (٤/ ١٤٧).
(٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن منده الإمام الحافظ محدث الإسلام كان من أوسع العلماء رحلة، وأكثرهم حديثًا وشيوخًا توفي سنة (٣٩٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨)، تاريخ دمشق (٥٢/ ٢٩).
(٤) الإيمان لابن منده (١/ ٣٢١).
(٥) التمهيد (٩/ ٢٥٠).
(٦) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٢٩).
[ ١٥٤ ]
يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١).
وقالوا: إن هؤلاء ليسوا بمنافقين، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢).
- من السنة: ما ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد "أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ فيهم، قال سعدُ: فتركَ رسُول الله - ﷺ - منهم من لم يُعطه، وهو أعجبهم إليَّ، فقلتُ: يارسول الله ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إنى لأرَاهُ مؤمنًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مُسلمًا" (^٣).
وحديث جبريل -﵇- حينما سأل الرسول - ﷺ - عن الإيمان والإسلام، فاختلفت الإجابة (^٤).
وممن قال بهذا ابن عباس والحسن وابن سيرين (^٥)، والزهري (^٦)، والإمام أحمد، وغيرهم.
قال الزهري: "الإسلام الكلمة والإيمان العمل" (^٧).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ج (٢٧)، (١/ ٩٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه ح/ ١٥٠، (٢/ ٥٣٩).
(٤) سبق تخريجه (ص ١٣٧).
(٥) أبو بكر محمد بن سيرين البصري مولى أنس بن مالك ﵁، من أئمة التابعين، كان ثقة، ثبتًا، عالمًا، توفي بالبصرة سنة (١١٠ هـ)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).
(٦) محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري من أعلام التابعين الحفاظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة (١٢٥ هـ). حلية الأولياء (٣/ ٣٦٠)، صفة الصفوة (٢/ ١٣٦).
(٧) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١).
[ ١٥٥ ]
وقال عبد الملك الميموني (^١): "سألت أحمد بن حنبل: أتفرق بين الإيمان والإسلام، فقال لي: نعم، قلت بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٢) قال: وأقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأقول أنا مسلم ولا أستثني" (^٣).
القول الثالث:
إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا دلَّ كلٌّ منهما على معنى يختلف عن الآخر، وإذا افترقا دلَّ كل منهما على ما يدل عليه الآخر، فإذا اجتمعا فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال القلبية. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة في القول الثاني، ولكنهم زادوا على القول السابق بهذا التفصيل.
وممَّن قال بهذا أبو بكر الإسماعيلي (^٤) والخطابي (^٥)، وابن رجب، وابن تيمية وغيرهم.
قال أبو بكر الإسماعيلي: "قال كثير من أهل السنة والجماعة أن
_________________
(١) هو عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني ثقة، فاضل، لازم الإمام أحمد أكثر من عشرين سنة توفي سنة (٢٧٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٨٥).
(٢) سورة الحجرات، الآية ١٤.
(٣) الإيمان لابن منده (١/ ٣١١) والسنة للخلال (٣/ ٦٠٤).
(٤) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني أبو بكر الإسماعيلي أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (٣٧١). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢)، طبقات الحفاظ ص (٣٩٩)، ترجمة (٨٦٧).
(٥) هو حمد وقيل أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي محدث فقيه، لغوي، من مصنفاته "معالم السنن" و"شأن الدعاء" وغيرها، توفي سنة (٣٨٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤٢٠) ترجمة (٩١٧)، البداية والنهاية (١١/ ٣٤٦).
[ ١٥٦ ]
الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده" (^١).
وقال ابن رجب: "هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي" (^٢).
وقال أيضًا: "إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين" (^٣).
وقال ابن تيمية: "التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي - ﷺ - لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي - ﷺ -، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (٣٤).
(٢) المرجع السابق ص (٣٤).
(٣) جامع العلوم والحكم ص (٣٥).
[ ١٥٧ ]
هو الواجب" (^١).
وهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول: "الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله" (^٢) وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣). وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا "الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (^٤) " (^٥).
والمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه: "يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال ﵊: أو مسلمًا" (^٦) حيث قال: "قوله - ﷺ -: "أو مسلمًا" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٠٤).
(٢) سبق تخريجه ص (١٣٨).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٨).
(٥) المفهم (١/ ١٤٠).
(٦) سبق تخريجه ص (١٥٥).
[ ١٥٨ ]
منافق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١) " (^٢).
وهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال: "وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي - ﷺ - في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا" (^٤).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
(٢) المعلم: ٢/ ٢٣.
(٣) الإيمان لابن تيمية ص (٢٨٤).
(٤) المرجع السابق ص (٢٨١).
[ ١٥٩ ]