إن الإيمان بالقضاء والقدر، واعتقاد أن الأمور جميعها تسير وفق
_________________
(١) تفسير السعدي ص (٤٤٥).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٣).
(٣) لوامع الأنوار للسفاريني (١/ ٣٤٩).
[ ٢٣٥ ]
ما سبق فيه القضاء، وجرت به المقادير، لا يقتضي من العبد ترك العمل -المفضي إلى الخمول والدعة والبطالة- اتكالًا على ذلك، بل هذا ينافي حقيقة التوكل. فلابد مع التوكل على الله من مباشرة الأسباب المأمور بها شرعًا وعقلًا وفطرة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى تعلق الأشياء بمسبباتها وارتباطها بها، وبناءها عليها.
قال ابن القيم -﵀-: "وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة مصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (^١).
وقد قال بعض العلماء كلامًا سديدًا في هذه المسألة، وهو قوله: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية، قدحٌ في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره" (^٢).
وهذا ما قرره القرطبي فقال: "استعمل الحرص والاجتهاد في
_________________
(١) الجواب الكافي ص (٩، ١٠).
(٢) الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٧٠).
[ ٢٣٦ ]
تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (^١).
وردَّ على الذين يتركون العمل احتجاجًا بالقدر، فقال: "وقوله: "أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل"؟ وفي الرواية الأخرى: "أفلا نتَّكل على كتابنا؟ " (^٢) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة، بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم -ﷺ- بما لا يبقى معه إشكال فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (^٣) ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل فلابد من امتثال أمره، وغيَّب عنَّا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزه" (^٤).
والرسول -ﷺ- وهو إمام المتوكلين، لم يكن ليترك الأسباب، مع توكله على الله، بل كانت أقواله وأفعاله -ﷺ- تدل على أن فعل الأسباب من التوكل على الله.
_________________
(١) المفهم (٦/ ٦٨٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير سورة الليل: باب ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ ح (٤٩٤٧) (٨/ ٥٧٩)، ومسلم في كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٧) (١٦/ ٤٣٤).
(٣) سورة الليل، الآيتان: ٥، ٦.
(٤) المفهم (٦/ ٦٥٨).
[ ٢٣٧ ]
وهذا أمرٌ معلوم لا يحتاج إلى بيان، فقد شارك -ﷺ- أصحابه في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب عملًا بالأسباب، وقد ردَّ القرطبي على جهلة الصوفية -الذين يجعلون الأخذ بالأسباب من قوادح التوكل- عند شرحه لهذا الحديث فقال: "وغير خَافٍ ما في هذا الحديث من الفقه، من جواز التحصن والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص فيه، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك لم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات، على ما يراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين" (^١).
ومن اتخاذ الأسباب التي أمر بها تعالى: الدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤).
"فإن قالوا إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله ﷿ به وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا وتوعَّد عليه بدخول النار، مع الذل، وأنكر عليهم أن غيره يجيب المضطر، إن كان ذلك كله لا فائدة فيه للعبد، فقد نسب إلى الرب -﷿- ما لا يجوز عليه، ولا تحل نسبته إليه بإجماع المسلمين، فإنه ﷿ لا يأمر إلَّا بما فيه فائدة للعبد، دنيوية وأخروية،
_________________
(١) المفهم (٣/ ٦٤٥) وانظر أيضًا (٣/ ٤٩٣).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
[ ٢٣٨ ]
إما جلب نفع أو دفع ضر" (^١).
لكن المعتزلة قالوا: لا فائدة في الدعاء، مع سابق القدر، وغلاة الصوفية قالوا: إن الدعاء قادح في التوكل. وهذا كلامٌ باطلٌ، مردود على أصحابه بالشرع والعقل إذ الدعاء من الأسباب التي جعلها الله موصلة للمراد.
قال ابن تيمية: الدعاء في اقتضائه الإجابة، كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليست بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودًا ولا عدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه، فهما قولان ضعيفان، فإن الله علَّق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر، قال: الله أكثر" (^٣) فعلَّق العطايا بالدعاء، تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به" (^٤).
_________________
(١) انظر: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص (٥١٢).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٨)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح الاسناد إلَّا أن الشيخين لم يخرجاه (١/ ٩٨٥)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٩٨٥)، برقم (٥٦٣٧).
(٤) الفتاوى (٨/ ١٩٢).
[ ٢٣٩ ]
وقال ابن القيم: "إن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدَّر حصول الزرع بالبذر فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدَّر وقوع المدعو به بالدعاء لا يصح أن يُقال لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب" (^١).
وهذا هو الذي قرَّره القرطبي، فردَّ على المعتزلة والصوفية فيما ذهبوا إليه في مسألة الدعاء إذ قال عند شرحه لحديث الرسول -ﷺ- الذي دعا فيه ﵇ بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة (^٢): "هذا وما في معناه من أدعية النبي -ﷺ- التي تفوق الحصر حجة على بعض المعتزلة القائلين: لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين: إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلَّا جاهل لظهور فسادها وقبح ما يلزم عليها" (^٣).