لا شك أن الله ﷾ حكمٌ عدلٌ، لا يظلم الناس شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (^٤)، وكقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالموا" (^٥).
ولكن ما هو الظلم الذي ينزه عنه ﷾؟
وقع الخلاف في معنى الظلم، بناءً على مسألة التحسين والتقبيح، على ثلاثة أقوال:
الأول: من عرَّف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، فيقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود.
_________________
(١) الفتاوى (٨/ ٣٠١).
(٢) المرجع السابق (٨/ ٢٩٨، ٢٩٩).
(٣) سورة يونس، الآية: ٤٤.
(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٠٦).
[ ٢٥٥ ]
فالظلم منه ممتنع غير مقدور، كالجمع بين الضدين، ولو قدر وجوده، فإنه عدل. فلو عذَّب الله المطيعين من الأنبياء والمرسلين، ونعَّم العاصين من الكافرين والظالمين لم يكن ظالمًا؛ لأنه يتصرف في ملكه، وليس فوقه آمر حتى يخالفه.
وهذا هو قول الجهمية وعامة الأشاعرة، ومن تابعهم من بعض أتباع مالك والشافعي وأحمد (^١).
الثاني: قول المعتزلة، وهو أن الظلم مقدور لله ﷿، ولكنه منزه عنه لقبحه، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرَّمه الله، وتنزَّه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، فشبَّهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. فالله عندهم عدل لا يظلم؛ لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر، ولا الفسوق، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، فليس بخالق لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها، ثم عاقب عليها، لكان ظالمًا للعباد (^٢).
وقد ذكر القرطبي القولين السابقين، وارتضى القول الأول الذي عليه عامة الأشاعرة، وأعرض عن القول الثالث الذي عليه أهل السنة، فلم يذكره ولم يشر إليه، حيث قال: "اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى مُحال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتحسين والتقبيح عقلًا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصور في حق
_________________
(١) انظر منهاج السنة (٣/ ٢٩). وجامع الرسائل رسالة في كون الرب عادلًا وتنزهه عن الظلم (١/ ١٢١).
(٢) انظر إنعام الباري في شرح حديث أبي ذر الغفاري لابن تيمية (٢٩ - ٤٤).
[ ٢٥٦ ]
من حدَّت له حدود، ورسمت له مراسم، فمتى تعداها كان ظالمًا، والله تعالى هو الذي حدَّ الحدود، ورسم الرسوم، إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجز عليه، ولا يجب عليه حكم، ولا يترتب عليه حق، ولا يتصور الظلم في حقه" (^١).
وقال أيضًا: "الظلم لا يتصور من الله تعالى، فإن الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه ولا حكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه" (^٢).
وبيَّن أنَّ لله تعالى أن يعذب من غير تكليف، كالصبي والمجنون، ولا يكون ظالمًا، موافقًا للأشاعرة فيما ذهبوا إليه، حيث قال: ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداءً من غير تكليف، من صبي أو مجنون، أو غير ذلك، بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالمًا بشيء من ذلك إن فعله" (^٣).
وكذلك المازري أخذ بهذا القول موافقًا عامة الأشاعرة على ذلك حيث قال: الظلم مستحيل منه ﷾ جده؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوَّزت المراسم، والباري جلَّت قدرته ليس فوقه أحد يحد له حدًّا، أو يرسم له رسمًا، حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرِّم عليه الحرام، ولكن تحريم الشيء يقتضي المنع منه، والكف عنه، فسمي الباري سبحانه تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ، فقال "حرَّمت على نفسي"" (^٤).
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٥٢).
(٢) المفهم (٦/ ٦٦٢).
(٣) المفهم (٦/ ٦٧٨). وانظر أيضًا (٦/ ٢١٢).
(٤) المعلم (٣/ ١٦٥) وانظر أيضًا (٣/ ١٩٨، ١٩٩).
[ ٢٥٧ ]
والصحيح في هذه المسألة ما عليه عامة أهل السنة وهو أن حقيقة
الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهذا الذي حرَّمه الله على نفسه مثل
أن يترك حسنات المحسن، فلا يجازيه عليها، أو يعاقب البريء على ما لم
يفعل من السيئات، ونحو ذلك من الأفعال التي يُنزَّه عنها الرب -سبحانه
وتعالى- لقسطه وعدله، وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء؛
لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه، وكما أن الله منزِّه عن صفات النقص
والعيب فهو أيضًا منزه عن أفعال النقص والعيب (^١).
المطلب التاسع: الواجب على الله تعالى:
خالف المعتزلة جماهير المسلمين في مسألة وجوب شيء على الله
تعالى، وذلك بناءً على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين حيث أوجبوا
على الله أمورًا وحرموا عليه أخرى بمحض عقولهم قياسًا لله تعالى على
عباده. حيث أوجبوا عليه رعاية مصالح العباد وثوابهم على الطاعة،
ومعاقبتهم على المعصية وسموا ذلك عدلًا (^٢).
وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم قالوا: لا يجب على الله
شيء، بل له أن يفعل مايشاء ويحكم مايريد.
وقال ابن القيم -﵀- في النونية:
ماللعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولاعمل لديه ضائع إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعد له أونعموا فبفضله والحمد للمنان (^٣)
_________________
(١) انظر الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٤٥)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ١٠٧)، القضاء والقدر للمحمود ص (١٨٨).
(٢) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٥)، والفتاوى لابن تيمية (٨/ ٩١).
(٣) القصيدة النونية المسماة "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، مع شرحها للشيخ=
[ ٢٥٨ ]
قال الشيخ محمد خليل هراس (^١) في شرح هذه الأبيات: "في هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه، وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة، فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولًا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلَّا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا" (^٢).
والقرطبي نصر هذا القول ورد على المعتزلة فيما ذهبوا إليه، فقال: "إن الله تعالى الفعال لما يريد القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوب ولا حق ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز والتعديل والإيجاب على الله تعالى فلا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لظهور فسادها" (^٣).
وقال المازري في شرحه لحديث معاذ بن جبل -﵁-: "قوله -ﷺ- في حديث معاذ: "هل تدري ما حق العباد على الله؟ " (^٤) يحتمل
_________________
(١) = محمد خليل هراس (٢/ ٩١).
(٢) محمد خليل هراس المصري عالم قضى حياته في التعليم والتأليف والدفاع عن العقيدة السلفية توفي سنة (١٣٩٥ هـ). انظر: مقدمة شرحه للعقيدة الواسطية، تحقيق علوي السقاف ص (٤١).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٩٢).
(٤) المفهم (٦/ ٢١٢)، وانظر أيضًا (٦/ ٢١٦).
(٥) الحديث أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب إرداف الرجل خلف الرجل ح (٥٩٦٧) (١٠/ ٤١٢). ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على: أنَّ من مات على التوحيد دخل =
[ ٢٥٩ ]
وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد حقًّا شرعيًّا لا واجبًا بالعقل، كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى ووعده الصدق صار حقًّا من هذه الجهة.
والوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج القابلة للفظ الأول، لأنه قال في أوله: "ما حق الله على العباد؟ " ولا شك أن لله على عباده حقًّا فاتبع اللفظ الثاني الأول" (^١).