الكبيرةُ لغة: من الكبر.
قال ابن منظور: "الكِبْرُ: الإثم الكبير وما وعد الله عليه النار.
والكِبْرَةُ كالكِبْرِ: التأنيث للمبالغة" (^١).
"والكبيرةُ: الإثم الكبير المنهيّ عنه شرعًا" (^٢).
والعلماء الذين قالوا بانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، اختلفوا في تحديد الكبيرة على قولين:
القول الأول:
منهم من حصرها في عدد معين، فقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة (^٣).
ولا دليل على ذلك سوى ما يرد في بعض الأحاديث من ذكر بعض هذه الأعداد.
القول الثاني:
من يرى أن الكبائر لا تحصر بعدد معين، وهذا ما ذهب إليه القرطبي إذ قال عند شرحه لحديث: "اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبقات" (^٤): "ولا
_________________
(١) لسان العرب، مادة كبر (٥/ ١٢٩).
(٢) المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٣).
(٣) انظر هذه الأقوال ومن قال بها في: تفسير الطبري (٤/ ٤١)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٠) والنووي في شرح مسلم (٢/ ٤٤٣)، وابن حجر في الفتح (١٢/ ١٩٠) وابن تيمية في الفتاوى (١/ ٦٥٠)، والهيتمي في الزواجر (١/ ٩).
(٤) رواه البخاري في كتاب الوصايا باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ ح (٢٧٦٦) (٥/ ٤٦٢)، ومسلم في كتاب =
[ ١٦٧ ]
شك أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره، ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية عنه هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وعلى هذا فاقتصاره ﵇ على هذه السبع في هذا الحديث يحتمل أن يكون هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، ويحتمل أن يكون ذلك، لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خصَّ عددًا من الكبائر والله تعالى أعلم" (^١).
ثم هؤلاء الذين لا يرون حصرها بموجب هذه الأحاديث بعدد معين اختلفوا في تعريفها بضابط يضبطها على أقوال:
قيل: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة، روي هذا عن ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير (^٢) ومجاهد (^٣)، والحسن (^٤).
وقيل: "الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، وقال به سفيان الثوري" (^٥).
_________________
(١) = الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح/ ٨٩، (٢/ ٤٤٤).
(٢) المفهم (١/ ٢٨٣).
(٣) هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي أحد أعلام التابعين قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ) وكان الناس في أشد الحاجة إلى علمه رحمه الله تعالى. حلية الأولياء (٤/ ٢٧٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ٩).
(٤) هو مجاهد بن جبر المخزومي بالولاء المكي الثقة إمام التفسير من أئمة التابعين توفي سنة (١٠١ هـ)، حلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)، صفة الصفوة (٢/ ٢٠٨).
(٥) تفسير الطبري (٤/ ٤٤).
(٦) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٤٩).
[ ١٦٨ ]
وقيل: كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف ولا ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليها اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. وممن قال بهذا أبو حامد الغزالي (^١).
وقيل: كل ذنب كبر وعظم عظمًا، يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، وَوصفَ بكونه عظيمًا على الإطلاق. وقاله ابن الصلاح (^٢).
وقد ذكر القرطبي تعريفًا جيدًا لها إذ قال: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد عليه النكير، فهو كبيرة. وهذا الكلام في غير ما قد ورد بالنص الصريح فيه أنه كبيرة من الكبائر أو أكبر الكبائر" (^٣).
وقد اختار هذا التعريف الحافظ ابن حجر، وارتضاه، فقال: "ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم" (^٤) ثم ساق التعريف السابق.