أما تعريف الإيمان شرعًا: فهو ما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم منذ زمن مبكر.
قال ابن رجب (^٦): "وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٢) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص (٣٦) مادة أمن.
(٣) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٦٣٧، ٦٣٨).
(٤) المفهم (١/ ١٣٩).
(٥) المعلم (١/ ٢١٠).
(٦) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي، إمام في العلم والعبادة، له عدة مؤلفات منها "شرح علل الترمذي" وشرح لصحيح البخاري، سماه "فتح الباري" توفي قبل =
[ ١٣٤ ]
والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة" (^١).
لهذا الخلاف المذكور تعددت الأقوال في تعريف الإيمان، والحق منها ما عليه أهل السنة والجماعة إذ عرفوه بأنه قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعملٌ بالجوارح (^٢).
وأما الأقوال الأخرى، فهي تختلف قربًا وبعدًا من الحق، وهي على النحو التالي:
الأول: الإيمان: هو التصديق بالجنان، والقول باللسان. وهذا مشهور عن بعض الفقهاء، ولذا يقال: "إرجاء الفقهاء" وقال به: حماد بن أبي سليمان (^٣)، وأبو حنيفة وأصحابه (^٤).
الثاني: الإيمان: هو التصديق بالله مع معرفته بالقلب. وهذا قول عامة الأشاعرة (^٥).
الثالث: الإيمان: فعل جميع الطاعات المفترضة بالقلب واللسان والجوارح وهذا قول الخوارج والمعتزلة (^٦).
_________________
(١) = إكماله، توفي بدمشق سنة (٧٩٥ هـ). الدر الكامنة (٢/ ٣٢١). طبقات الحفاظ ص (٥٦٧) ترجمة (١١٧٢).
(٢) جامع العلوم والحكم ص (٣٨).
(٣) انظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، وشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٩١١) ومسائل الإيمان لأبي يعلى بن الفراء ص (١٥٢).
(٤) حماد بن أبي سليمان، تابعي رمي بالإرجاء تتلمذ عليه الإمام أبو حنيفة ولازمه توفي سنة (١٢٠ هـ). سير أعلام النجلاء (٥/ ٢٣١). طبقات الحفاظ ص (٦٠) ترجمة (١٠٥).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٧).
(٦) انظر: اللمع لأبي الحسن الأشعري ص (١٢٢)، والإنصاف للباقلاني ص (٥٥).
(٧) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٤٩، ٣٢٩)، والملل والنحل (١/ ٤٥).
[ ١٣٥ ]
وهم يخالفون أهل السنة أنهم جعلوا جميع الأعمال شرطًا لصحة الإيمان، فالإيمان كلٌّ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلُّه، فمن أخل بالأعمال عندهم ذهب إيمانه، وهو عند الخوارج كافر في الدنيا، مخلدٌ في النار في الآخرة، وعند المعتزلة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، ووافقوا الخوارج في خلوده في النار في الآخرة، وفي نفي اسم الإيمان عنه في الدنيا، وخالفوهم في إطلاق لفظ الكفر عليه في الدنيا، وفي استحلال دمه وماله.
الرابع: هو المعرفة بالقلب فقط. وهذا قول الجهمية (^١)، ويلزم من قولهم هذا إدخال إبليس وفرعون في الإيمان.
الخامس: الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. وهذا قول الكرَّامية (^٢). ويلزم من هذا القول إدخال المنافقين في الإيمان.
قال القرطبي في بيان فساد هذا القول: "الإيمان من أعمال الباطن، والإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غلاة المرجئة والكرامية، حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين، وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا، لأنه تسويغ للنفاق" (^٣).
وقال المازري ردًّا عليهم عند شرحه لقوله - ﷺ -: "أليس يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال: لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تَطْعَمَهُ" (^٤): "إن احتجت به الغلاة من المرجئة في أن الشهادتين تنفع وإن لم تعتقد
_________________
(١) انظر: الملل والنحل (١/ ٨٨)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٨).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٠٩).
(٣) المفهم (١/ ٣٦٦) وانظر أيضًا (١/ ٢٠٤).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح/ ٣٣ (١/ ٣٥٦).
[ ١٣٦ ]
بالقلب، قيل لهم: معناه أنه لم يصح عند النبي - ﷺ - ما حكوا عنه من أن ذلك ليس في قلبه، والحجة في قول النبي - ﷺ - وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه" (^١).
قال القرطبى في تعريفه للإيمان شرعًا: "هو التصديق بالقواعد الشرعية" (^٢).
وقال: "الإسلام والإيمان بحكم الوضع يعمان كل انقياد وكل تصديق، لكن قصرها الشرع على تصديق مخصوص، وانقياد مخصوص" (^٣).
وقال: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه موصوف بصفات الجلال والكمال"، ثم بعد ذكره لأركان الإيمان قال: "مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة" (^٤).
فالقرطبي خالف مذهب أهل السنة والجماعة في تعريفهم للإيمان إذ جعله التصديق فقط، وأخرج الأعمال من الإيمان، وجعل إطلاق الإيمان على الأعمال ودخولها فيه من باب المجاز.
فبعد ذكره لحديث جبريل ﵇ (^٥) وحديث وفد عبد القيس،
_________________
(١) المعلم (١/ ١٩٥).
(٢) المفهم (١/ ١٣٩).
(٣) المفهم (١/ ١٤٠).
(٤) المفهم (١/ ١٤٥).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل للنبي - ﷺ - الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة ح/ ٥٠ (١/ ١٤٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان =
[ ١٣٧ ]
وحديث علي - ﵁ - الذي قال فيه: قال رسول الله - ﷺ -: "الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (^١) قال: هذه الإطلاقات الثلاث من باب التجوز والتوسع، على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حقق يريح من كثير من الإشكال الناشيء من ذلك الاستعمال (^٢).
وقال عند شرحه لحديث "الإيمان بضْعٌ وستُّون شعبة، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (^٣): "الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول لا إله إلَّا الله وأدناها: أي: أقربها وهو إماطة الأذى وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا" (^٤).
حتى أعمال القلوب أدخلها في مسمى الإيمان مجازًا، حيث قال: "إطلاق الإيمان على أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف،
_________________
(١) = والإسلام والإحسان ح/ ٨، (١/ ٢٥٩).
(٢) حديث موضوع قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لم يقله الرسول - ﷺ -. الموضوعات (١/ ١٢٨)، وقال ابن تيمية بعد أن ذكر الحديث: من الموضوعات على النبي - ﷺ - باتفاق أهل العلم بحديثه، الفتاوى (٧/ ٥٠٥) وقال ابن القيم: هذا حديث موضوع ليس من كلام النبي - ﷺ -. تهذيب سنن أبي داود (١٢/ ٢٩٥). وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٥/ ٢٩٥) حديث (٢٢٧١).
(٣) المفهم (١/ ١٤٠).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أمور الإيمان ح/ ٩ (١/ ٦٧). ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان ح/ ٣٥ (٢/ ٣٦٢) وفي رواية عند مسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٢/ ٣٦٣).
(٥) المفهم (١/ ٢١٦).
[ ١٣٨ ]
والنصيحة، وشبه ذلك من أعمال القلوب، وتسميتها إيمانًا لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب" (^١).
وكذلك المازري عرَّف الإيمان بأنه اليقين، حيث قال: "الإيمان هو اليقين" (^٢).
وفي حديث وفد عبد القيس قال لهم رسول الله - ﷺ -: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمْس" (^٣).
فعند شرح المازري لهذا الحديث أخرج الأعمال من الإيمان، حيث قال: "ظن بعض الفقهاء أن في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافًا للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان، وهذا الذي ظنه غير صحيح لاحتمال أن يكون الضمير في قوله: ثم فسرها لهم، عائدًا على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل في الحديث الثاني من أن يكون قوله "وإقام الصلاة" محطوفًا أيضًا على الأربع" (^٤).
وأوَّل كل ما جاء في إطلاق الإيمان على الأعمال فقال عند شرحه
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٤٢).
(٢) المعلم (١/ ٢١٠).
(٣) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ح/ ٥٣ (١/ ١٥٧)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه لمن لم يبلغه ح/ ١٧ (١/ ٢٩٤).
(٤) المعلم (١/ ١٩١).
[ ١٣٩ ]
لحديث "الحياء من الإيمان" (^١).
"إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية، كما يمنع الإيمان منه" (^٢).
وعند شرحه لحديث: "الطُّهُور شطرُ الإيمان" (^٣). قال: "يحتمل هذا الحديث وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بقوله "شطر الإيمان" أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله - ﷺ -: "إن قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُث القُرآن" (^٤). والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإيمان: أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الآثار، وقد أخبر - ﵇ - أن الوضوء أيضًا تذهب عن الإنسان به الخطايا؛ إلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به، إلَّا مع مضامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلَّا مع شيء ثان. ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه" (^٥).
ولا شك أن المذهب الحق ما قاله جماهير العلماء من أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعملٌ بالجوارح.
قال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان وقالوا إن الإيمان قولٌ وعملٌ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب الحياء من الإيمان ح (١٢٤، ١/ ٩٣). ومسلم في كتاب الإيمان باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان ح (٣٦، ٢/ ٣٦٤).
(٢) المعلم (١/ ١٩٦).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء ح/ ٢٢٣، (٣/ ١٠١).
(٤) رواه ابن ماجة في كتاب الأدب باب ثواب القرآن، والترمذي في أبواب فضائل القرآن باب ما جاء في سورة الإخلاص، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٢/ ٣١٦).
(٥) المعلم (١/ ٢٣٢).
[ ١٤٠ ]
وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (^١).
وقال الآجري (^٢): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح" (^٣).
وذكر اللالكائي (^٤) روايات كثيرة عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة والتابعين، والسلف الصالح في هذا الباب (^٥).
وقال البخاري: "كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلَّا عن من قال الإيمان: قول وعمل" (^٦).
وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلَّا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" (^٧).
ولذا أصبح هذا القول من سمات أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى غير واحد الإجماع على
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١/ ٤٤).
(٢) أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الإمام المحدث صاحب سنة واتباع له عدة مصنفات توفي سنة (٣٦٠ هـ). طبقات الحفاظ ص (٣٩٥) ترجمة (٨٥٨)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٧٠).
(٣) الشريعة للآجري (٢/ ٦١١).
(٤) هبة الله بن الحسن اللالكائي الحافظ له عدة مصنفات أشهرها وأنفعها كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" توفي سنة (٤١٨ هـ) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩). طبقات الحفاظ ص (٤٣٨) ترجمة (٩٥٣).
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩١١) فما بعدها.
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٩).
(٧) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨).
[ ١٤١ ]
ذلك" (^١).
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
من الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (^٢).
- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٣).
وثبت في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا قبل أن تحوَّل القبلة (^٤)، والمقصود ما كان الله ليضيع صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا.
- وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ (^٥).
قال القاسم بن سلَّام (^٦) - بعد ذكره لهذه الآيات -: "أفلست تراه
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص (٢٤١) وانظر ص (٢٤٢) فقد نقل عن القاسم بن سلَّام أسماء كثير من الذين يقولون الإيمان قول وعمل.
(٢) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٤) صحيح البخاري "كتاب الإيمان" باب الصلاة من الإيمان ح/ ٤٠، (١/ ١١٨).
(٥) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ١٠.
(٦) هو القاسم بن سلَّام البغدادي أبو عبيد الإمام الشهير توفي سنة (٢٢٤ هـ). صفة =
[ ١٤٢ ]
﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر" (^١).
وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: حديث وفد عبد القيس (^٢).
- وقوله - ﷺ -: "الإيمان بضعٌ وسبعُون أو بضعُ وستُّون شعبة فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان" (^٣).
- وقوله - ﷺ -: "الطُّهور شطرُ الإيمان" (^٤). وغيرها من الأدلة.
وبهذا يتبين لنا أن ما ذهب إليه السلف هو الحق الذي أيَّدته النُّصوص من الكتاب والسنة.
سُئِلَ سهل بن عبد الله التستري (^٥) عن الإيمان ما هو؟ فقال: "قول ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة" (^٦).
وأما ما استدل به المرجئة من الأشاعرة وغيرهم، فهو كما يلي:
أولًا: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وقد أبقاه الشرع على ما كان، وما روي نقله. وذكر الباقلاني (^٧) الإجماع على ذلك، حيث قال:
_________________
(١) = الصفوة (٤/ ١٣٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤١٠).
(٢) الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص (٦٦).
(٣) سبق تخريجه ص (١٣٩).
(٤) سبق تخريجه ص (١٤٠).
(٥) سبق تخريجه ص (١٤٠).
(٦) سهل بن عبد الله التستري الزاهد العابد محدث له كتاب في ذم الكلام توفي سنة (٢٨٣ هـ). صفة الصفوة (٤/ ٦٤)، طبقات الصوفية للسلمي ص (٢٠٦).
(٧) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧١).
(٨) هو أبو بكر محمد بن الطيب البغدادي المشهور بالباقلاني متكلم أشعري مكثر من التصنيف توفي في بغداد سنة (٤٠٣ هـ). البداية والنهاية (١١/ ٣٧٣)، الديباج المذهب ص (٣٦٣).
[ ١٤٣ ]
فإن قالوا: فأخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله، وهو العلم. والتصديق يوجد بالقلب! فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي - ﷺ - هو التصديق. لا يعرفون في اللغة إيمانًا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^١) أي بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي: لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه" (^٢).
ثانيًا: ما ورد من آيات وأحاديث تدل على أن الإيمان في القلب كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣). وقوله - ﷺ - لأسامة بن زيد: "أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ" (^٤).
ثالثًا: إن الله فرَّق بين الإيمَان والعمل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (^٥). والعطف يقتضي المغايرة.
قال شيخ الإسلام في الرد عليهم بعد نقله لكلام الباقلَّاني السابق: "هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان، وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة.
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٢) التمهيد للباقلاني ص (٣٨٩)، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص (٥٥)، والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٢٢).
(٣) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلَّا الله، ح/ ٩٦، (٢/ ٤٦٢).
(٥) سوة العصر، الآية: ٣.
[ ١٤٤ ]
أحدهما: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره.
الثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: "والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبهُ" (^١).
والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيَّد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ، ولا تغييرًا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبيَّنه.
والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: أن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى.
الخامس: قول من يقول: إن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.
السادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي.
السابع: قول من يقول: إنه منقول. فهذه سبعة أقوال:
الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره.
قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب زنا الجوارح دون الفرج ح/ ٦٢٤٣ (١١/ ٢٨)، ومسلم في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ح/ ٢٦٥٧، (١٦/ ٤٤٥).
[ ١٤٥ ]
وفي أي كتاب ذُكِرَ هذا الإجماع؟ .
الثاني: أن يُقال: أتعني بأهل اللغة، نقلتها، كأبي عمرو (^١)، والأصمعي (^٢)، والخليل (^٣)، ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر، وكلام العرب، وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحدٌ عنهم ذلك.
الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد واثنان فليس هذا إجماعًا.
الرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة القرآن عن النبي - ﷺ -، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أُريد به معنى لم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.
_________________
(١) هو أبو عمرو بن العلاء المازني النحوي المقريء كان من أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر، توفي سنة (١٥٤ هـ). سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٧)، تهذيب التهذيب (٤/ ٥٦١).
(٢) عبد الملك بن قريب الباهلي المعرف بالأصمعي أديب لغوي، نحوي، أصولي، له عدة مصنفات، منها: "نوادر الأعراب"، "الأصمعيات" وغيرها، توفي بالبصرة سنة (٢١٦ هـ). تاريخ دمشق (٣٧/ ٥٥)، تهذيب التهذيب (٢/ ٦٢٢).
(٣) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري إمام مقدم في العربية، وهو منشيء علم العروض توفي سنة (١٧٠ هـ). تهذيب التهذيب (١/ ٥٥٢). البداية والنهاية (١٠/ ١٦٦).
[ ١٤٦ ]
الخامس: أنه لو قُدِّر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق (^١)؟
السادس: أنه لم يذكر شاهدًا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بعذاب القبر، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، ومن قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلَّا لو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلًا لم يسموه مؤمنًا به، كما لا يسمون إبليس مؤمنًا بالله، وإن كان مصدقًا بوجوده وربوبيته. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢) ليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر. ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص، فيكون الإيمان في كلام الشارع أخصَّ من الإيمان في اللغة" (^٣).
وأما استدلالهم الثاني، فهذه النصوص التي ذكروها لا تنفي وجود الإيمان في غير القلب، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على أن الإيمان باللسان والجوارح أيضًا.
_________________
(١) الفتاوى (٧/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤).
(٢) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٣) الفتاوى (٧/ ١٢٥، ١٢٦) بتصرف.
[ ١٤٧ ]
وأما قولهم أن الله فرق بين الإيمان والعمل، فعطف العمل على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة.
فيقال: إن العطف بين شيئين يعني نوع مغايرة كالمغايرة بين الكل والجزء والخاص والعام والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان؛ لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزءُ منه فيكون من باب عطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (^١).
ومن المعلوم قطعًا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة وكقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) وغيرها (^٣)، فاستدلالهم بالعطف على إخراج الأعمال لا يسلم لهم.
وأمَّا قولهم إن تسمية الأعمال إيمانًا من باب المجاز، فقد رد عليهم في ذلك شيخ الإسلام بكلامٍ يطول ذكره، أذكر منه قوله: "إن القول بالمجاز كلامٌ مبتدع لم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، بل ولا أحد الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري (^٤)، والأوزاعي (^٥)، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة كالخليل وسيبويه (^٦)، وأبي
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٩٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٣) انظر مسائل الإيمان لأبي يعلى ص (٢٤١) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٧٩).
(٤) هو سفيان بن سعد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، فقيه، من أعلام القرن الثاني، ورعًا، فقيهًا، زاهدًا، توفي سنة (١٦١ هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهانيّ (٦/ ٣٥٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ٥٦).
(٥) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام وأحد الأئمة الأعلام المشهورين توفي سنة (١٥٧ هـ). حلية الأولياء (٦/ ١٣٥)، صفة الصفوة (٤/ ٢٥٥).
(٦) هو عمرو بن عثمان الملقب بسيبويه، إمام النحو المقدم فيه، طلب الفقه والحديث في بداية =
[ ١٤٨ ]
عمرو بن العلاء ونحوهم. أول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيد معمر بن المثنى (^١)، ولكن لم يعن في مجازه ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية .. فهذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لا يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف إلَّا في كلام أحمد بن حنبل، ولم يرد بذلك أن للفظ استعمالًا في غير ما وضع له، وعلى فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال" (^٢).