الطاقة: هي الاستطاعة (^١). والإجماع على أن الله -﷾- ما كلَّف العباد إلَّا بما يستطيعون، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢).
قال شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ما قال أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، لا مالك ولا أبوحنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا الليث (^٣)، ولا أمثال هؤلاء أن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه" (^٤).
وهذا الذي قرَّره القرطبي عند ذكره للآية السابقة حيث قال: "هذا خبرٌ من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلَّا بما نطيقه، ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدل على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك" (^٥).
ولكن هل يصح التكليف بما لا يُطاق؟ .
هذا موطن خلاف بين الطوائف.
_________________
(١) قال الجرجاني: الاستطاعة: هي عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يعقل به الأفعال الاختيارية والاستطاعة والقدرة والقوة والوسع متقاربة في المعنى في اللغة وأما في عرف المتكلمين فهي عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك. التعريفان للجرجاني ص (٣٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني ثقة ثبت فقيه إمام مقدم شيخ الديار المصرية في زمنه كان من الأثرياء الأجواد توفي سنة (١٧٥ هـ) حلية الأولياء (٧/ ٣١٨). صفة الصفوة (٤/ ٣٠٩).
(٤) الفتاوى (٨/ ٤٧٩).
(٥) المفهم (٧/ ٣٢١).
[ ٢٥٢ ]
والتكليف بما لا يُطاق على قسمين:
الأول: ما لا يطاق للعجز عنه عادة: كتكليف الإنسان بالطيران في الهواء، أو المشي فوق الماء. وما لا يطاق للعجزء عنه عقلًا كالجمع بين الضدين.
الثاني: ما لا يطاق، لا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده: كتكليف الكافر الإيمان في حال كفره.
والأشاعرة اتفقوا على جواز النوع الثاني، واختلفوا في النوع الأول، فمن مجيز ومانع (^١).
وقد حكى القرطبي هذا الخلاف دون ترجيح نقال: "إنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه: عقلًا كالجمع بين الضدين، أو عادة: كالطيران في الهواء، والمشي فوق الماء، فمن مجوز ومن مانع" (^٢).
ولكنه في موضع آخر وافق الأشاعرة في قولهم، فرجَّح جواز التكليف بما لا يطاق، فقال: "قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعها شها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي -ﷺ-: كُلِّفنا ما نطيق بالصلاة والى جام، وهذه الآية لا نطيقها فأقرهم النبي -ﷺ- على ما فهموه، وبيَّن لهم أن لله تعالى أن
_________________
(١) انظر: اللمع للأشعري ص (٩٨)، والمستصفى للغزالي (١/ ١١٦٣).
(٢) المفهم (٧/ ٣٢١).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
[ ٢٥٣ ]
يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه" (^١).
وقال في استخراجه لفوائد من قوله -ﷺ-: "من صَوَّرَ صورةً في الدُّنيا كلِّف أن ينفُخ فيها الرُّوح يوم القيامة وليس بنافخ" (^٢): ويُستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز في الآخرة (^٣).
والمازري لم يصرح بهذا فعند شرحه لحديث أبي هريرة﵁- الذي قال فيه: "لما نزلت على رسول الله -ﷺ- ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ (^٤) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ- فأَتوْا رسول الله -ﷺ- ثمَّ بركُوا على الرُّكَب فقالوا: لا نطيقها" (^٥): قال: إشفاقهم وقولهم: "لا نطيقها" يحتمل أن يكون أنهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلًا على أنهم كلفوا ما لا يطاق، وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلًا" (^٦).
والقول بتكليف ما لا يطاق بناه الأشاعرة على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء.
_________________
(١) المفهم (١/ ٣٣٦).
(٢) رواه البخاري في كتاب التعبير باب من كذب في حلمه ح (٧٠٤٢) (١٢/ ٤٤٦)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب تحريم تصوير صورة الحيوان ح (٢١١٠) (١٣/ ٣٣٨).
(٣) المفهم (٥/ ٤٣٣).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
(٥) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلَّا ما يطاق ح (١٢٥) (٢/ ٥٠٤).
(٦) المعلم (١/ ٢٠٨).
[ ٢٥٤ ]
وأما أهل السنة فاتفقوا على عدم جواز التكليف، بما لا يطاق، وهو النوع الأول، وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على ذلك (^١).
وأما النوع الثاني فقالوا بجواز التكليف به للاتفاق على وقوعه في الشريعة، ولكنهم خالفوا في إطلاق ذلك عليه، فمنعوه لأن مضمونه أن فعل ما لا يفعله المكلف لا يطيقه، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في رده على القدرية (^٢).