أول من اشتهر عنه القول بالتحسين والتقبيح الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" وبنى على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد وحسن وقبح، قبل نزول الوحي، ثم جاء الوحي مصدقًا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول، واشتهر عنهم فقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول" (^٢).
وقابل هذا القول قول الأشاعرة، ومن تابعهم الذين قالوا: إن الفعل لا يدل على حسن شيء، ولا قبحه، قبل ورود الشرع، فلا يعرف الحسن والقبح إلَّا بالشرع، فلو عكس الشرع، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعًا (^٣).
_________________
(١) = الجنة ح (٣٠) (١/ ٣٤٣).
(٢) المعلم (١/ ١٩٥)، وانظر أيضًا (١/ ٣٢٥).
(٣) نشأة الفكر الفلسفي للنشار (١/ ٣٤٦).
(٤) انظر: اللمع للأشعري ص (١١٦) والتبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني ص (١٠٣).
[ ٢٦٠ ]
ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة بناء على مذهبهم في التعليل، فلا فرق عندهم بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر، ولا بين الصدق والكذب، إلَّا أن الشارع حرم هذا وأوجب، هذا فمعنى حسنه كونه مأمورًا به، لا أنه منشأ مصلحة، ومعنى قبحه كونه منهيًّا عنه، لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت حسنه أو قبحه" (^١).
وهذا ما سلكه القرطبي في هذه المسألة حيث قال: "الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها حسنة في ذاتها كما يقوله المعتزلة" (^٢).
وقال أيضًا: "إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله بسببها شيئًا (^٣)، إذ لا منفعة له فيها، ولا غرض، فإنه الغني بذاته
_________________
(١) مدراج السالكين لابن القيم (١/ ٢٣٠).
(٢) المفهم (١/ ٣٥٦).
(٣) العمل سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿دْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النحل: (٣٢) وقوله تعالى: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، الأعراف: (٤٣). قال ابن كثير: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة. تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦)، وقال السعدي: العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة. تفسير السعدي ص (٤٦٧) وفي الجمع بين قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾، وبين قوله -ﷺ- "لن ينجو أحد بعمله" مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ح (٢٨١٦) (١٧/ ١٦٤) قال ابن القيم: الأعمال سبب لدخول الجنة مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب مسبباتها، وأما الحديث فأخبر فيه أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد وأنه لولا رحمة الله بعبده لما أدخله الجنة لأنَّ العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب دخول الجنة ولا أن يكون عوضًا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، مفتاح دار السعادة (١/ ٨) بتصرف، وبمن ﵀=
[ ٢٦١ ]
الذي لا يُستغنى عنه، وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدة التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين" (^١).
وصرَّح في موضع آخر "أن الحسن والقبح لا يعرفان إلَّا من قبل الشرع، فما حسنه بالثناء عليه، فهو حسن، وما قبحه بالذم عليه فهو القبيح" (^٢).
وهذا القول نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه (^٣).
والمازري ورد عنه ما يشير إلى أخذه بهذا القول إذ رد على المعتزلة قولهم في التحسين والتقبيح، فحاصله الأخذ بالرأي المقابل لهم،
_________________
(١) = في شفاء العليل أنَّ هذا مذهب الجبرية حيث قال: وسلكت الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة قالوا ولما كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببًا للنجاة فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم لا أعمالهم فكانت رحمته خيرًا من أعمالهم وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد ولله سبحانه له الملك وله الحمد. شفاء العليل (١/ ٢٤٤). وقول القرطبي السابق مبالغة في مخالفة المعتزلة وإلَّا فالله تعالى جعل الأعمال من الأسباب الموصلة إلى الجنة فعلق الجزاء على الأعمال وهو ما قرره القرطبي في موضع آخر من المفهم حيث قال: لم يجعل الله التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين ولا عذرًا للمعتذرين وعلق الجزاء على الأعمال وجعلها له سببًا فقال تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية/ ٢٢] وبـ ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، وقال في أهل الجنة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة/ ١٧]، وقال في أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ [فصلت/ ٢٨]، وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم/ ٣١]، وقال على لسان نبيه -ﷺ-: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمدالله ومن وجد الأخرى فلا يلومن إلَّا نفسه". سبق تخريجه ص (٢٠٦). المفهم (٦/ ٦٦٤).
(٢) المفهم (٧/ ١٣٩).
(٣) انظر: المرجع السابق (٧/ ١٣٩).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٢٦٧).
[ ٢٦٢ ]
خصوصًا إذا علمنا أن المازري أشعري خالص لا يكاد يخرج عن رأي الأشاعرة في جميع مسائل العقيدة. حيث قال في هذه المسألة: "لا يقال أن قولهم: "أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر" (^١) إنما بعُدَ عندهم على طريقة المعتزلة في التقبيح والتحسين من جهة العقول، وأنه لا يؤجر إلَّا على فعله، بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة، وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما تدعو إليه الطباع وتستلذه" (^٢).
والمذهب الصحيح في هذا ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، وهو وسطٌ بين طرفين، فهم يقولون: إن الحسن والقبح يعرفان بالعقل، ولكن لا يترتب على ذلك ثواب ولا عقاب، قبل ورود الشرع بالأمر والنهي.
قال ابن القيم -﵀-: "الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، إلَّا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلَّا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أنَّ اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ح (١٠٠٦)، (٧/ ٩٥).
(٢) المعلم (٢/ ١٧).
(٣) مدراج السالكين (١/ ٢٣١).
[ ٢٦٣ ]
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز (^١) - رحمه الله تعالى- تعليقًا على كلام القرطبي الذي نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه: "هذا قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمر بالحسن وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك، إلَّا بعد بلوغ الشرع كما حقق ذلك العلامة ابن القيم -﵀- في "مفتاح دار السعادة" (^٢) وهذا هو الصواب والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) هو الشيخ الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز إمام أهل السنة في زمنه تولى القضاء في عدد من البلدان ثم تولى رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند إنشائها ثم تولى رئاسة الإدارة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ثم مفتيًا عامًا للمملكة ورئيسًا لهيئة كبار علمائها إضافة إلى اضطلاعه بالعديد من المهام والأعمال الدعوية مع الاجتهاد في نشر العلم والعبادة ونفع الناس، خلَّف عدة مؤلفات منها "الفوائد الجلية في المباحث الفرضية"، "العقيدة الصحيحة وما يضادها"، "نقد القومية العربية" وله حاشية مفيدة على فتح الباري وَصَلَ فِيها إلى كِتَاب الحجِّ إلى غير ذلك من المؤلفات النِّافعة، توفي ﵀ في يوم الخميس ٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ وصلي عليه بعد صلاة الجمعة في المسجد الحرام، وصلي عليه صلاة الغائب في جميع مناطق المملكة وبعض الدول الإسلامية.
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ١٤ - ٦٢).
(٣) فتح الباري (١/ ٢٦٧) الهامش.
[ ٢٦٤ ]