إن علمية المازري وشهرته الواسعة لم تشفع لنا في الحصول على ترجمة وافية له، خصوصًا في جانب حياته الشخصية، ذلك أن غالب التراجم التي تحدثت عنه تهتم بالجانب العلمي، وكذلك الدراسات أو الكتابات التي اهتمت بحياته ركزت على حياته العلمية، أي: بعد بروزه وظهوره وشهرته فحفظت لنا تلاميذه ومؤلفاته، وتحدثت عن علمه واجتهاده وما يتعلق بهذه الجوانب. وأمَّا حياته الشخصية من ولادته ونشأته وبداية طلبه للعلم، وشيوخه، فالمعلومات لا تكاد تفي بالغرض في هذا الجانب.
ويكفي أن نعلم أنه لم يذكر أحد ممن ترجم له تاريخ ولادته.
واختلفوا كثيرًا في مكان ولادته ونشأته الأولى، ولم يَذكر غالب من ترتجم له من شيوخه إلَّا اللخمي وابن الصائغ.
ولعل هذا يعود إلى أسباب، منها:
١ - أنه لم ترجم له أحد من تلاميذه الملازمين أو ممن عرفه وعاصره، وأقرب من ترجم له القاضي عياض (^١)، وهو لم يلتق به، ولم يره، وإنما تتلمذ عليه بالإجازة.
٢ - الأحداث السياسية المضطربة في عصره، خصوصًا في بلده وما جاوره، فالنصارى قد استولوا على صقلية بلاد المازري الأصلية سنة
_________________
(١) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، المحدث، الحافظ، له العديد من المؤلفات، منها: "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، و"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" توفي سنة (٥٤٤ هـ). الديباج المذهب ص (٢٧٣)، طبقات الحفاظ ترجمة (١٠٥٠) ص (٤٩٢).
[ ٣١ ]
(٤٦٤ هـ) وما تبع ذلك من طمعهم في بقية البلاد المجاورة.
وهذا ما حصل إذا احتلوا المهدية عاصمة الدولة الصنهاجية بعد القيروان سنة كثير من العلماء وتفرقهم في البلاد، إذ هذا الخوف والحياة المضطربة لا تساعد على تدوين تراجم لهؤلاء العلماء في ذلك البلد، وما دون من ذلك فهو عرضة للضياع والتلف في هذه الاضطرابات، إضافة إلى تفرق العلماء أو هجرتهم، أو اختفائهم مما أدى إلى غموض حياتهم.
قال الدكتور الحسين شواط عن ذلك الزمن وأثره في شح مصادر ترجمة المازري: "فاتصلت الحروب، وعمَّت الفوضى، وتجرأ العدو على بلاد إفريقية بعد أن افتكَّ صقلية، ووصل الأمر إلى استيلائه على المهدية نفسها عاصمة البلاد، بعد خراب القيروان، وضعفت الحياة العلمية، وتفرَّق أكثر العلماء في الأمصار، ولم تتهيأ أسباب التدوين لتواريخ من بقي بها من أهل العلم، ويسهل على الناظر في كتب طبقات الأفارقة مثل "شجرة النور الزكية" و"معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" أن يلاحظ قلة العلماء في طبقة المازري، وفي الطبقة التي قبله والطبقة التي بعده، ولم تعد الحياة العلمية لتلك الربوع إلَّا بعد سنة ٥٥٥ هـ" (^١).