نشأ أبو العباس في مكان ولادته في قرطبة في بيئة علمية فوالده على ما يبدو من طلبة العلم أو العلماء وإن لم أظفر له بترجمة لكن جاء في افتتاح كتاب المفهم ما نصه: "قال الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي حفص عمر القرطبي الأنصاري" (^٢). وتطواف هذا الوالد بولده وهو صغير في حواضر العلم في سائر أنحاء العالم الإسلامي ليسمع من العلماء مع مشقة ذلك في تلك الأوقات ليَدُلُ دلالة أكيدة على أنه من أهل العلم العارفين بفضله (^٣).
قال ابن فرحون: رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس، ومصر، والإسكندرية،
_________________
(١) = (١/ ٣٢٦)، معجم المؤلفين (١/ ٣٧٧).
(٢) هدية العارفين للبغدادي (١/ ٩٦).
(٣) المفهم (١/ ٨٥).
(٤) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم للطريري (١/ ٨٠).
[ ٩٣ ]
وغيرها من البلاد (^١).
ونشأة أبي العباس في هذه البيئة العلمية الصالحة كان له أثر كبير على مستقبل حياته وتوجهه للعلم، وجده في طلبه.
وقد عاش القرطبي الشطر الأول من حياته في قرطبة، وإن تخلل ذلك رحلات في سائر البلاد الإسلامية -كما سبق ذكره- حينما رحل مع والده في سن الصغر إلى الشام ومصر والحجاز، عاد بعدها إلى قرطبة، إذ رحلته تلك قبل مجاوزته الاثنتي عشرة سنة، بدليل أخذه من القاسم بن فيرة بمصر، وهو قد توفي سنة (٥٩٠ هـ) (^٢).
وقد أخطأ من اعتبر رحلته هذه إلى مصر هي التي استقر فيها هناك، إذ وجد دليل على وجوده في قرطبة بعد هذا التاريخ.
فقد ذكر أنه سمع صحيح مسلم في قرطبة سنة (٦٠٧ هـ) (^٣).
وقد ذكر ابن مسدي (^٤) أنه لقيه بغرناطة سنة (٦١٤ هـ) (^٥).
وقد رحل إلى الحج سنة (٦١٧ هـ) (^٦) حيث قال في رحلته تلك:
_________________
(١) الديباج المذهب ص (١٣١).
(٢) وفيات الأعيان (٤/ ٧٢)، نفح الطيب (٢/ ٢٢).
(٣) تلخيص صحيح مسلم للقرطبي (١/ ٣٤).
(٤) محمد بن يوسف بن موسى بن مسدي المهلبي الغرناطي، محدث، فقيه، مقرئ، رحل إلى المشرق، ثم جاور بمكة، من آثاره: "أعلام الناسك بأحكام المناسك". توفي سنة (٣٦٣ هـ). الديباج المذهب ص (٤٢٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٩٠).
(٥) توضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (٨/ ١٣٩).
(٦) تغلب الإفرنج على دمياط سنة (٦١٥ هـ) وانكسروا سنة (٦١٧ هـ) على يد الكامل محمد بن العادل الأيوبي، وتغلبوا عليها مرة أخرى سنة (٦٤٧ هـ)، وانكسروا سنة (٦٤٨ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٨٦٦، ٩١، ٩٩، ١٨٩، ١٩٠)، الكامل في التاريخ (١٠/ ٣٩٤، ٤٠٠). وما ذكره القرطبي هنا إما سنة (٦١٧ هـ) أو سنة (٦٤٨ هـ)، وقد رجَّح الدكتور محمد=
[ ٩٤ ]
"لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيئة عن البلاد المصرية، من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المُقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فجدد الله عزمًا وأزال عني ما كنت أتخوفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكَّن منه من غير صنع أحد من المخلوقين، بل
_________________
(١) = أبا الخيل في كتابه "جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى" أن كلام القرطبي هنا سنة (٦٤٧ هـ)، ورجح الدكتور عبد الوهاب الطريري في تحقيقه للمفهم أن هذا سنة (٦١٧ هـ)، وهو الذي يترجح عندي لأسباب، منها: أن قرطبة ساءت أحوالها فخرج عامة أهلها خصوصًا العلماء وطلبة العلم، خوفًا على أنفسهم من تسلُّط النصارى، خصوصًا بعد سقوط قرطبة سنة (٦٣٣ هـ)، وكان فيمن خرج أبو عبد الله القرطبي المفسر، وأبو القاسم أخو أبي العباس القرطبي، قال أبو عبد الله القرطبي: "ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبي العباس أحمد بن عمر ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد الأخرى حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله". التذكرة (٧٢٤)، وقد أُسر عدد من العلماء في قرطبة حينما تغلب النصارى عليها، فمن المستبعد أن يمكث أبو العباس فيها خمسة عشر عامًا بعد سقوطها وهو الذي تصدى للنصارى باللسان والسنان، وقد ألَّف كتابه القيم "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" ولو بقي لامتدت إليه يد الحقد، كما امتدت إلى غيره من العلماء. إضافة إلى أن أبا العباس من خلال الوقوف على سيرته وعلى أسماء شيوخه يتضح أنه قد أخذ منهم في مصر بعد استقراره فيها ولا يكون ذلك إذا كان استيطانه فيها بعد (٦٤٨ هـ) حيث جاوز غالبًا سن الطلب، فقد بلغ السبعين سنة إضافة إلى قصر المدة التي بقيها في مصر على هذا الرأي حيث تكون أقل من تسع سنوات، وهذه مدة قصيرة لا يتسنى خلالها قراءة التلاميذ عليه، وانتشار علمه، وذياع صيته، ولم يذكر له جلوس للتدريس في قرطبة ويبعد أن يبلغ هذا السن في قرطبة وليس له تلاميذ فيها. فالذي يترجح عندي أن وصف هذا الحال لدمياط يعود إلى استيلاء الإفرنج الأول عليها، وانكسارهم سنة (٦١٧ هـ) هو الموافق لحاله وسيرته والله تعالى أعلم.
[ ٩٥ ]
بلطف أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين" (^١).
وهل عاد بعد هذه الرحلة إلى قرطبة أم كان هذا هو الاستقرار النهائي له في الإسكندرية؟ الله أعلم بذلك! .
المقصود أنه استقر في الإسكندرية وانتقل من قرطبة بعدما ساءت أحوالها انتقالًا نهائيًا. فكان أن قضى شطر حياته الأخير في الإسكندرية حيث تصدى للتدريس ونفع الناس هناك.
قال ابن فرحون: "نزل الإسكندرية واستوطنها ودرَّس بها" (^٢).