وإذا نظرنا إلى مصر، حيث قضى فيها أبو العباس بقية عمره، رأيناها قد ازدهرت بالعلم، واكتظت بالعلماء، فالنكبات التي توالت على بلاد المسلمين جعلت عددًا كبيرًا من العلماء يرحلون إليها، ويستقرون فيها، منهم أبو العباس القرطبي، وتلميذه القرطبي المفسر، وابن مالك النحوي (^٣) وغيرهم. خصوصًا بعد سقوط عامة بلاد الأندلس في يد النصارى، وسقوط غالب بلاد المسلمين في يد التتار، وبهذا انتقل النشاط العلمي من المشرق والمغرب إلى مصر.
_________________
(١) المعجب ص (٣١١).
(٢) نفح الطيب (١/ ٤٦٢).
(٣) جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي، نحوي أديب، مقرئ، رحل من الأندلس إلى المشرق، من آثاره "الألفية في النحو"، "مختصرات الشاطبية"، توفي بدمشق سنة (٦٧٢ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٢٨٣)، . إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين عبد الباقي اليماني ص (٣٢٠).
[ ٨٦ ]
إضافة إلى حرص العلماء على تعويض الخسارة العلمية التي لحقت بالأمة الإسلامية من آثار غزو التتار لبلاد الإسلام وإتلافهم لنتاجهم العلمي. فانتشرت المدارس في عهد الأيوبين وبعدهم، قال ابن خلكان: "ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء غير المدارس" (^١).
فبلغت المدارس في القاهرة وحدها سنة (٦٠٠ هـ) ثلاث عشرة مدرسة، ثم تضاعف هذا العدد في زمن المماليك (^٢).
إضافة إلى كثرة المكتبات الزاخرة بأمهات الكتب في شتى فنون المعرفة، ولا غرابة في ذلك إذا كان الحكام يشجعون على العلم، ويهتمون بنشره، وتقريب أهله.
قال المقريزي (^٣) عن الملك الكامل: "وكان يحب أهل العلم، ويؤثر مجالستهم، وشغف بسماع الحديث النبوي وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو يمتحن بها، فمن أجاب قدَّمه وحظي عنده" (^٤).
وبالجملة فالحالة العلمية في هذا العصر تميزت بالازدهار والنشاط وكثرة المكتبات ودور العلم.
وأعظم ما يدل على هذه الحركة العلمية كثرة العلماء الأعلام في
_________________
(١) وفيات الأعيان (٧/ ٢٠٦).
(٢) القاهرة وتاريخها وآثارها، د. عبد الرحمن زكي، ص (٧٣).
(٣) أحمد بن علي بن عبد القادر المصري، المشهور بابن المقريزي، مؤرخ محدث، فقيه، حنفي، له مؤلفات كثيرة، منها: "الخبر عن البشر"، "كتاب النقود" توفي بالقاهرة سنة (٨٤٥ هـ). الضوء اللامع (٢/ ٢١)، شذرات الذهب (٩/ ٣٧٠).
(٤) السلوك لمعرفة دول الملوك (١/ ٢٥٨).
[ ٨٧ ]
هذا العصر، سواء في المشرق أو المغرب، وغزارة نتاجهم العلمي الذي حُفِظ لنا، فمنهم:
ابن الجوزي (^١) توفي سنة (٥٩٧ هـ)، والفخر الرازي (^٢) توفي سنة (٦٠٦ هـ)، وابن قدامة المقدسي (^٣) توفي سنة (٦٢٠ هـ)، وابن الأثير الجزري توفي سنة (٦٣٠ هـ)، وابن الصلاح توفي سنة (٦٤٣ هـ)، والمنذري توفي سنة (٦٥٦ هـ)، والعز بن عبد السلام (^٤)، توفي سنة (٦٦٠ هـ)، وابن مالك النحوي توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والقرطبى المفسر توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والنووي توفي سنة (٦٧٦ هـ) وغيرهم.
_________________
(١) عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي البغدادي، الحنبلي، أبو الفرج بن الجوزي، الإمام، الحافظ، الواعظ، صاحب التصانيف الكثيرة، من آثاره: "زاد المسير في علم التفسير"، "تلبيس إبليس"، "منهاج القاصدين"، توفي سنة (٥٩٧ هـ) .. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، طبقات الحفاظ ص (٥٠٢)، ترجمة (١٠٦٥).
(٢) محمد بن عمر بن الحسن البكري الطبرستاني الرازي الشافعي المشهور بالفخر الرازي، مفسر متكلم، أصولي من أئمة الأشاعرة الذين تأثروا بالفلسفة والاعتزال، قيل: إنه رجع في آخر حياته إلى مذهب السلف. من آثاره "شرح الأسماء الحسنى"، "أسرار التنزيل وأنوار التأويل"، توفي سنة (٦٠٦ هـ). طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢١٥)، والبداية والنهاية (١٣/ ٦٠).
(٣) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الدمشقي الحنبلي، فقيه، مجتهد من أعيان الحنابلة، من مصنفاته "المفتي" في الفقه الحنبلي، "البرهان في علوم القرآن"، توفي بدمشق سنة (٦٢٠ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، البداية والنهاية (١٣/ ١٠٧).
(٤) عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم السلمي الدمشقي، الشافعي، الشهير بالعز بن عبد السلام، شيخ الشافعية في عصره، المجاهد، الصدَّاع بالحق، من آثاره: "التفسير"، "القواعد الكبرى والصغرى"، توفي في مصر سنة (٦٦٠ هـ)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٤٩)، الأعلام (٤/ ٢١).
[ ٨٨ ]