وأدلة السنة كثيرة وأذكر منها:
١ - ما ثبت في البخاري ومسلم أيضا، أن أهل اليمن قدموا على رسول الله - ﷺ - فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال «هذا أمين هذه الأمة». (٣)
- فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث النبي - ﷺ - أبا عبيدة وحده، وكذلك يقال في إرسال النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري في بلاد مختلفة ونوبات مختلفة واحدا بعد واحد.
_________________
(١) النساء ٥٩.
(٢) «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم (٢/ ٣٥٢) اختصره الشيخ محمد الموصلي - الناشر مكتبة الرياض الحديثة - الرياض.
(٣) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح (٤/ ١٨٨١)، رقم (٢٤١٩)، والذي في البخاري أنه أرسله إلى أهل نجران - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٦٨٢٧).
[ ٣٧ ]
وأحاديثهم في الصحيحين وفي غيرهما.
- ولا ريب أن هؤلاء كانوا يعلمون العقائد في جملة ما يعلمون، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم لم يبعثهم رسول الله - ﷺ - أفرادا. (١)
- قال الشافعي ﵀ في كتابه «الرسالة»: «وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله - ﷺ -». (٢)
٢ - روى البخاري في صحيحة عن مالك بن الحويرث قال «أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوما، وكان رسول الله رحيمًا رقيقًا، فلما ظن أنَّا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال «أرجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي». (٣)
- ففي هذا الحديث أمر النبي - ﷺ - كل واحد من هؤلاء الشباب أن يعلم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم، فلو لم يكن خبر الآحاد مما تقوم به العقيدة لم يكن لهذا الأمر معنى. (٤)
٣ - ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال «بينا
_________________
(١) العقيدة في الله، عمر الأشقر ٦٥.
(٢) كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر مطابع المختار الإسلامي، دار السلام، الناشر مكتبة التراث، القاهرة، ط ٢، ١٣٩٩ هـ، ص ٤١٢.
(٣) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خير الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٢٤١٩).
(٤) «العقيدة في الله» عمر الأشقر ص ٦٥.
[ ٣٨ ]
الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم أتٍ. فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». (١)
- فلو لم يكن خبر الواحد يفيد اليقين لما أخذ أهل قباء بخبر الواحد.
- قال ابن حجر: «والحجة منه بالعمل بخبر الواحد ظاهرة، لأن الصحابة الذين كانوا يصلون إلى جهة بيت المقدس تحولوا عنه بخبر الذي قال لهم إن النبي - ﷺ - أمر أن يستقبل الكعبة، فصدقوا خبره وعملوا به في تحولهم عن جهة بيت المقدس وهي شامية إلى جهة الكعبة وهي يمانية على العكس من التي قبلها». (٢)
٤ - وعن عبد الله بن مسعود﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «نضر الله أمرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلّغٍ أوعى من سامع». (٣)
«وهذا أيضا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإيمان بما ثبت عنه - ﷺ - من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا، لما كان لهذا الأمر من النبي - ﷺ - بتبليغ حديثه مطلقا معنى، بل لبين الرسول - ﷺ - أن ذلك مقصور على أحاديث
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٢٤١٩).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٣٧).
(٣) رواه الترمذي وقال حديث «حسن» صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٧٦٤، طبعة المكتب الإسلامي.
[ ٣٩ ]
الأعمال دون غيرها». (١)
٥ - عن أنس بن مالك قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجراء فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت». (٢)
قال الشافعي: «وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدمُّ صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة، وهو مالك الجراء - بكسر الجراء ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم، نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله - ﷺ -، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهرقون حلالا، وإهراقه سرف وليسو من أهله والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يدع لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله». (٣)