يرى الشيخ رشيد رضا أن معرفة أسباب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، أما آيات العقيدة والتوحيد فلا يحتاج إلى معرفة سبب نزولها.
حيث يقول: «ويقول الأستاذ الإمام إن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، لأن معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها، ومصيبة المؤمنين في أحد، وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب نزولها، بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة» (١)، وهذا
_________________
(١) تفسير المنار (٢/ ٣٣).
[ ١٣٨ ]
أساس من الأسس التي قام عليها منهج المنار في تفسير آيات العقيدة.
فعند تفسير قوله تعالى (١): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢)
قال الأستاذ الإمام: «نبههم ﷾ إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول: إذا أنتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالالوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فإن بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك، فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية، على أنها أساس الدين وأصله، ثم قال: أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قبلها؟ إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي - ﷺ -: انسب لنا ربك .. (٣)
فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها، لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن، ومثل هذا السبب
_________________
(١) ومن أمثلته أيضًا ما جاء في تفسير الآية رقم (٤٨) من سورة النساء، انظر تفسير المنار ٥/ ١٤٧. وأيضا ما جاء في تفسير آية (١٤٤) من سورة البقرة، انظر تفسير المنار ٢/ ١٠ - ١١، وانظر ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٢) سورة البقرة آية ١٦٣.
(٣) انظر تفسير الجلالين ص ٣٣، وتفسير البيضاوي ص ٣٣، وتفسير أبي السعود ١/ ١٨٤، وتفسير الخازن ١/ ١٠١، وحاشية الصاوي على الجلالين ص ٧٣.
[ ١٣٩ ]
يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه. ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿وإلهكم إله واحد﴾، نزلت بالمدينة، ثم سمع بها مشركوا مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد، وطلبوا الدليل على ذلك. كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوى لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم، على أن النبي - ﷺ - كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (١) ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله، قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟ .
وأضاف الأستاذ الإمام بعد بيان اتصال الآية بما قبلها وتقرير معناها: ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو صف لنا ربك، لأن هذا السؤال إنما يصدر عمن لا يعرف شيئًا من صفات هذا الرب العظيم، أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات، ويجب أن يكون جوابه بذكر العلم والحكمة والإدارة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها، وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها، وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى
_________________
(١) سورة ص آية ٥.
[ ١٤٠ ]
بالدعاء والنذور والقرابين، ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته» وقال: إن الاكتفاء بذكر الوحدة والرحمة على الوجه الذي قررناه في تفسير الآية ظاهر لا تطلب البلاغة غيره، لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته، وذكر الرحمة بعدها يرغبهم في التوبة ويحول دون يأسهم من فضل الله بعد إيئاسهم ممن اتخذوهم شفعاء ووسطاء عنده». (١)