لعل من أكثر المآخذ على تفسير المنار ومؤلفه رشيد رضا هو عنفه على مخالفيه وشدته عليهم، ونبزهم بأبشع الألقاب واتهامه العلماء تارةً بالتقليد وتارةً بعدم الفهم وتقليله من شأنهم ومكانتهم، ووصفهم بأسوء الأوصاف.
مثال ذلك تشنيعه على الرازي في تفسيره: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١)، فيقول «إن هذا الذي قاله الرازي من أظهر هفواته الكثيرة بطلانًا، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام وجدل الاصطلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة». (٢)
وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ (٣)، يقول: «إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته». (٤)
_________________
(١) الأعراف ١٣٨.
(٢) تفسير المنار (٩/ ١١٠).
(٣) الأنعام ١٣٢.
(٤) تفسير المنار (٨/ ١١٦).
[ ١٥١ ]
وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، يشنع عن الرازي بقوله: «فما أضعف دلائل هذا الإمام الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير». (٢)
ومن أمثلة تجنيه على أهل العلم ووصفهم بأسوأ الأوصاف.
يقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٣)، «وأبعد الناس عندنا في الصبر، وأدناهم من الجزع والهلع والفزع، المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم، من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره». (٤)
ولا شك أن هذا الكلام فيه تجن على أهل العلم وطعن فيهم، وتقليل من شأنهم، والذين هم أخشى الناس لله وأتقاهم له، والذين هم أكثر الناس إيمانًا بالله وتوكلًا عليه وصدعًا بالحق والجهر والقوه في الحق وعدم الخوف مما سواه، وأكثرهم صبرًا واحتسابًا للأجر لمعرفتهم بفضله وفضل أهله، وأبعدهم عن الهلع والجزع لعلمهم بأنه من أكبر الآثام وأسوأ الأخلاق.
ولا حاجة لذكر أمثلة أكثر لعنفه على مخالفيه، وإن كان رأيهم معتبرًا وحيث يجده القارئ مبثوثًا في ثنايا تفسيره، حتى ولو كان بعيدًا كل البعد عن موضوع الآية المفسرة.
_________________
(١) الأنعام ١٤١.
(٢) تفسير المنار (٨/ ١٣٨).
(٣) البقرة ١٧٧.
(٤) تفسير المنار (٢/ ١٢٢).
[ ١٥٢ ]