ثبت بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن الصادق المعصوم - ﷺ - أنه سوف يخرج في آخر الزمان من جهة المشرق من خراسان من يهودية أصبهان، رجلٌ يدعي الربوبية، ويكون معه ما يشبه الجنة والنار، والحقيقة أن ناره جنة، وجنته نار، يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها فتستجيب، ويحي الميت وغيرها من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب، يمكث في الأرض أربعين يومًا، وما ذلك إلا فتنةً للبشر واختبارًا لإيمانهم، وصدق اتباعهم لنبيهم - ﷺ - والذي حذرهم من اتباعه وتصديقه، فمن كفر به فقد نجى وسلم، ومن صدقه فقد كفر وهلك.
_________________
(١) انظر (النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٠٢) وفتح الباري (١٣/ ٩٧).
(٢) لسان العرب (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
[ ١٧٢ ]
وسوف أذكر هنا جمله من هذه الأحاديث الصحيحة التي تنص على خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، مما لا يسع أحد ردها أو الطعن في صحتها، متحاشيًا ذكر الأحاديث الضعيفة أو المتكلم بها لكي لا يكون لأحد حجه في رد بعض الأحاديث.
١ - عن النواس بن سمعان ﵁، قال «ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فرفع فيه وخفض حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا. قال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فأمرؤُ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شابٌ قطط (١) عينة طافئة (٢) كأني أشبهه بعبد العزى ابن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة (٣) بين الشام والعراق. فعاثن يمينا وعاثن شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال، كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروحُ عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا (٤) وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم
_________________
(١) شابٌ قطط، أي شديد جعوده الشعر.
(٢) عينة طافئه، أي ذهب نورها.
(٣) خله، أي طريقا.
(٤) الذرى، جمع الذروه وهي أعلى الشيء والمراد السلام.
[ ١٧٣ ]
فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم. ويمرُ بالخربه فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. (١) ثم يدعو رجُلًا ممتلئا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين (٢) رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٣)،
واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمانًا كاللؤلؤ فلا يحلُ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد (٤) فيقتله ». (٥)
٢ - عن حذيفه بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر فقال «ما تذاكرون».
قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم الساعة حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر منها الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». (٦)
_________________
(١) اليعاسيب، جمع يعسوب وهو ذكر النحل.
(٢) جزلتين، أي قطعتين.
(٣) مهرودتين، المهرودة الثوب المصبوغ بالورد والزعفران.
(٤) باب لد، قرب بيت المقدس في فلسطين.
(٥) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٧).
(٦) صحيح مسلم، كتاب الفتن - باب الآيات التي تكون قبل قيام الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).
[ ١٧٤ ]
٣ - عن أنس﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينية مكتوبٌ كافر». (١)
٤ - وعن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال، ما حدث به نبيٌ قومه، إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار». (٢)
٥ - عن أبي سعيد الخدري﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الدجال وهو محرمٌ عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ، فيخرج إليه رجلٌ هو يومئذٍ خير الناس أو من خير الناس. فيقول، أشهدُ أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلتُ هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا، فيقتله ثم يُحييه، فيقول حين يُحييه (٣): والله ما كنت قط أشد بصيرةً من اليوم، فيقول الدجال، أقتلُهُ؟ ولا يُسلط عليه». (٤)
٦ - عن حذيفة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنةٌ ونار، فناره جنة، وجنته نار». (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٨)، رقم (٦٧١٢)، صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٣).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٦).
(٣) الذي يقول هو الرجل المؤمن.
(٤) صحيح مسلم - كتاب الفتن، باب صفة الدجال (٤/ ٢٢٥٦)، رقم (٢٩٣٨).
(٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٤).
[ ١٧٥ ]
٧ - عن أبي بكر الصديق﵁ - قال، حدثنا رسول الله - ﷺ - قال: «الدجال يخرج من أرضٍ بالمشرق يقال لها خرسان». (١)
٨ - وعن أنس﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفًا من اليهود». (٢)
٩ - عن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». (٣)
١٠ - عن أبي الدرداء أن النبي - ﷺ - قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال». (٤) أي من فتنته.
١١ - عن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم التي أعوذُ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». (٥)
_________________
(١) جامع الترمذي، باب ما جاء من أين يخرج الدجال؟ (٦/ ٤٩٥) - مع تحفة الأحوذي، قال الألباني صحيح، «صحيح الجامع الصغير» (٣/ ١٥٠).
(٢) «الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد» (٢٤/ ٧٣)، قال ابن حجر «صحيح». «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٨)، رقم (١٥٨).
(٤) صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب فضل سورة الكهف (١/ ٥٥٥)، رقم (٨٠٩).
(٥) صحيح مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (١/ ٤١٢)، رقم (٥٨٨).
[ ١٧٦ ]
وذلك تحذيرًا وتعليمًا لأمته من المسيح الدجال، لينشر خبره بينهم جيلًا بعد جيل بأنه كذاب مبطل، ساع على وجه الأرض بالفساد وحتى لا يلتبس كفره على من أدركه.
والأحاديث الواردة في خروجه كثيرة جدًا ذكر منها الشوكاني في التوضيح مائة حديث وهي في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد.