١ - بالنسبة لقوله «إن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة، يضع العالم بها في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة».
فهذا كلام في الحقيقية غير صحيح، وذلك لأن كل شَرَطٍ في حد ذاته فتنةٌ، ولأن وقوع الأشراط قد يكون متسارعًا ومتتاليًا، ولا يدري أحد بوقت وقوع هذه الأشراط على وجه التعيين، ولا حتى على وجه التقريب وبالتالي فسيبقى لها منتظرًا ومترقبًا. (١) ثم أنه هو نفسه قد أثبت أن للساعة أشراطًا ونص بالذكر منها بعثة النبي - ﷺ - (٢).
٢ - أما قوله إن الاعتقاد بأشراط الساعة لا يفيد موعظة ولا خشية.
فيقال له ولمن يقول بقوله: هل الإيمان بالملائكة أو الجن وما شابهما مما أخبر الله به من عالم الغيب يفيد موعظة أو خشية؟
فإن كان يفيد ذلك، فإن الإيمان بأشراط الساعة أيضا يفيد ذلك، لأنه من جنس الإيمان بالغيب.
والفائدة التي تحصل من الإيمان بالغيب هي نفس الفائدة التي تحصل من الإيمان بأشراط الساعة.
_________________
(١) موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، دارسة تطبيقية على تفسير المنار، شفيق بن عبد الله شقير، المكتب الإسلامي صـ ٢٩١.
(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٨٣).
[ ١٦٦ ]
٣ - أما قوله: إنها لا تفيد استعدادًا لذلك اليوم، أي يوم القيامة.
فهذا الشعور في الحقيقة يختلف من شخص لآخر، بحسب حال الشخص، وبحسب قربه أو بعده من الاستقامة على طريق الله.
فقد يستمع أحدهم موعظة أو كلمة، فتؤثر به أشد التأثير، وقد تغير مجرى حياته كلها، وتحيي قلبه ووجدانه.
وقد يستمع شخص آخر نفس الموعظة أو الكلمة، ولا تؤثر فيه بل ولا تحرك شعره من جسده، فمسألة الموعظة والخشية مسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر.
ثم إنه منذ متى أصبح الحكم عن الحديث من حيث تأثيره أو عدم تأثيره دليلا على صحته أو ضعفه، فلو سرنا على هذه القاعدة التي يتبناها أصحاب المدرسة العقلية لرددنا الكثير من الأحاديث الصحيحة لا سيما الأحاديث التي في جانب الاعتقاد.
فقد يأتي بعد ذلك قائل وهذا غير مستبعد، ويقول ما فائدة الأحاديث الواردة في عذاب القبر؟ فهي لا تفيد موعظةً ولا خشيةً ولا استعدادًا ليوم القيامة فيجب ردها، وهكذا دواليك كل حديث لا يفيد موعظة ولا خشية ولا استعدادا ليوم القيامة يجب رده، فهل يقول بهذا القول إنسان عاقل؟
وفي الحقيقة إنه بمثل هذه الاستشكالات والتساؤلات فتح باب التشكيك في السنة والطعن فيها تحت مسمى البحث العلمي، كالذي كتبه المدعو أبو ريه في كتابه الذي سماه «أضواء على السنة المحمدية»، والذي كان يعتمد فيه في كثير من طعوناته في السنة على أقوال محمد رشيد رضا
[ ١٦٧ ]
واستشكالاته وتساؤلاته والتي هي في الحقيقة ليست استشكالات ولا تساؤلات إنما هي طعونات وتشكيكات في الحديث النبوي الشريف.
٤ - أما بالنسبة لقوله: ما الحكمة في حصر الفائدة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات ولا سيما آخر آية منها؟
وكيف يتفق هذا مع ما ورد من تخويف كل رسول لقومه من الساعة والدجال قبلها؟
وكيف وقع منهم هذا التخويف من الدجال ولم يحصل في الواقع، ومثله لا يكون بمحض الرأي؟
وهل الرسول - ﷺ - كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أم فيما يقرب منه؟
فواضح أن الشيخ رشيد رضا مغرم بإثارة الاستشكالات والتساؤلات، حتى ولو كانت في غير صلب الموضوع، ويعتقد أنه بإثارته لمثل هذه التساؤلات يستطيع الوقوف أمام تلك الأحاديث النبوية الصحيحة، أو على الأقل التشكيك في صحتها أو صدق وقوعها، وما علم أن هذه التساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام تلك الأحاديث المتواترة عن سيد البشرية محمد - ﷺ - الواردة في أشراط الساعة الكبرى وأنه من المستحيل في الشريعة الإسلامية أن يكون هناك تناقض أو تعارض بين النصوص الشرعية.
ثم إن هذه الاستشكالات الغالب عليها التكلف في محاولة لإثارة الشكوك حول هذه الأحاديث.
[ ١٦٨ ]
وإلا ما معنى تساؤله عن الحكمة في حصر الرعب في قلوب الذين يشاهدون الآيات الكبرى دون غيرهم.
ونحن نجيب عن تساؤله هذا بتساؤل مشابه له فنقول:
- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالفقر دون بعض؟
- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالزلازل دون بعض؟
- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالمرض دون بعض؟
- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالحروب والقتل دون بعض؟
بل ما الحكمة من خلق الله البشر وامتحانهم بالخير والشر والسراء والضراء.؟
فكما أن الله ابتلى بعض من عبادة بالمرض والفقر والقتل، فكذلك ابتلى بعض عبادة بفتنة المسيح الدجال أو يأجوج ومأجوج أو غيرها من الفتن، فالخلق خلقه، والعبيد عبيده، يفعل ما يشاء كيفما شاء، في أي وقت شاء ﷾.
٦ - أما تساؤله عن وجه تحذير الأنبياء لأقوامهم من الساعة ومن الدجال قبلها، والحال أن الواقع لم يصدقهم؟
فالأنبياء بشر يبلغون ما أمرهم الله بتبليغه، فكما أنهم لا يعلمون متى وقت قيام الساعة، فكذلك لا علم لهم في وقت خروج الدجال.
ثم إنه إذا حذر النبي - ﷺ - من الساعة ولم تقع في زمنه هل هذا دليل على
[ ١٦٩ ]
عدم قيام الساعة؟ بالطبع لا، فكذلك عدم خروج المسيح الدجال في زمنه ليس دليلا على عدم خروجه.
ومازال الأنبياء يحذرون أقوامهم من المسيح الدجال، ولم يقع في زمن أي منهم، فهل يقال بأنهم كانوا يكذبون على قومهم وذلك لعدم خروج المسيح الدجال في زمنهم؟ بالطبع لا، فهذا أمر غيبي، علمه عند الله وحده، وما على الرسل إلا البلاغ، أما متى يخرج فهذا علمه عند الله وحده كما قلنا، وليس دليل على عدم صدق الأنبياء وحشاهم ذلك.
٧ - أما تساؤله، هل كان رسول الله - ﷺ -، يريد تأمين الناس لقرون من الدجال أم أنه كان يتوقع ظهوره بعده أو فيما يقرب منه.
فهذا تساؤل لا إشكال فيه لا كما يظن الشيخ رشيد رضا.
فالنبي - ﷺ - كما ذكرنا وقلنا لم يعرف وقت ظهور الدجال بالتحديد، وإنما كان يحذر أصحابه وأمته من بعده امتثالا لأمر الله.
ولا أدل على ذلك من قوله - ﷺ - عن الدجال «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فأمرؤُ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم». (١)
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٧).
[ ١٧٠ ]