مما لا شك فيه أن احتجاج القائلين بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد، بهذه الآيات وأمثالها التي تذم الظن وأهله، مردود وغير صحيح. وذلك من عدة وجوه:
أولا: إن الظن الوارد في الآية ليس المقصود به الظن الراجح أو الغالب الذي عنوه «وإنما المقصود به هو الشك والكذب والخرص والتخمين، فقد جاء في «النهاية» و«اللسان» وغيرهما من كتب اللغة»: «الظن» هو الشك يعرض لك في شيء، فتحققه وتحكم به. (١)
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢) (أي ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ أي لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»). (٣) (٤)
فالشك والكذب هو الظن الذي ذمه الله تعالى في كتابه، ونعاه
_________________
(١) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر «٣/ ١٦٢ - ١٦٣».
(٢) النجم ٢٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس (٤/ ١٩٨٥)، رقم (٢٥٦٣).
(٤) تفسير القرآن العظيم للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير (٧/ ٤٣٤) تحقيق عبد العزيز غنيم وزميليه، مطبعة الشعب، القاهرة.
[ ٣٣ ]
على المشركين، ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾. (١)
فوصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين. (٢)
ثانيا: لو كان الظن المنعي به على المشركين هو الظن الغالب أو الراجح، فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام أيضًا، لأن الله أنكر على المشركين الأخذ بالظن إنكارًا مطلقًا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام، فكيف تقبلونه في الأحكام وتردونه في العقائد.
ثالثا: أما قولهم إن أحاديث الآحاد في العقائد لا تفيد اليقين ولو كانت صحيحة السند، فهو غير صحيح فحديث الآحاد إذا ثبتت صحته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان في العقائد أو الأحكام، وإنه يوجب العلم اليقيني.
وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها، استجابة لأمر الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)
وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
_________________
(١) الأنعام ١١٦.
(٢) انظر «العقيدة في الله» ٥٩ - ٦١ للدكتور عمر سليمان الأشقر، طبع دار النفانس - الأردن - عمان - الطبعة الخامسة عشر، وكتاب «أشراط الساعة» يوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ٣٥.
(٣) الحشر ٧.
[ ٣٤ ]
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١)
ثم إنه ليس هناك دليل يصح الاعتماد عليه في أن الحديث المتواتر يفيد اليقين والحديث الآحاد لا يفيد اليقين، فالأدلة الشرعية لم تفرق بين المتواتر والآحاد من حيث الحجية، بل إن التفريق بينهما في الحجية قولٌ مبتدع لم يعرفه سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. (٢)