تعريف بتفسير المنار
كان سبب تأليف تفسير المنار، هو عبارة عن اقتراح من محمد رشيد رضا إلى شيخه وأستاذه الإمام محمد عبده، بأن يلقي دروسًا في تفسير القرآن الكريم، تتلائم مع روح العصر الحديث، وتكون العناية الأولى فيه ببيان هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه أو ما أنزل لأجله من الإنذار والتفسير والهداية والإصلاح. (١)
وأن يكون هذا التفسير بعيدًا عن الإسرائيليات، والأحاديث الموضوعة والخرافات، وجدل المتكلمين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق وكثرة الروايات والعلوم الرياضية والطبيعية، والتي علقت بكثير من كتب التفسير فأخرجته عن مقصوده. (٢)
فاستحسن الشيخ محمد عبده هذا الرأي، فوافق عليه، فكان يلقي دروسه في التفسير في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا يكتب أهم ما يلقيه الأستاذ ثم يقوم بنشره في مجلة المنار.
وقد بدأ الأستاذ محمد عبده والشيخ رشيد رضا في هذه الطريقة من التفسير من غرة محرم عام ١٣١٨ هـ.
_________________
(١) تفسير المنار (١/ ١٠).
(٢) تفسير المنار (١/ ٧ - ١٠).
[ ١٢١ ]
يقول الشيخ رضا في ذلك: «وكنت أكتب في أثناء إلقاء الدرس مذكرات أودعها ما أراه أهم ما قاله، وأحفظ ما كتب لأجل أن أبيضه وأمده بكل ما أتذكره في وقت الفراغ، ولم ألبث أن اقترح عليَّ بعض الراغبين في الإطلاع عليه من قراء المنار في البلاد المختلفة، ومن الحريصين على حفظه من الإخوان بمصر أن أنشره في المنار، فشرعت في ذلك في أول المحرم سنة ١٣١٨ هـ وذلك في المجلد الثالث من المنار، وكنت أولًا أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه فكان ربما ينقح فيه زيادةً قليلة أو حذف كلمة أو كلمات، ولا أذكر أنه انتقد شيئًا مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضيًا بالمكتوب بل معجبًا به، على أنه لم يكن كله نقلا منه ومعزوا إليه، بل كان تفسيرا للكاتب من إنشائه اقتبس فيه من تلك الدروس العالية جل ما استفاد منها، لذلك كنت أعزو إليه القول المنقول عنه إذا جاء بعد كلام لي في بيان معنى الآية أو الجملة على الترتيب، فإذا انتهى النقل وشرعت بكلام لي بعده قلت في بدئه (أقول) ولم يكن هذا التمييز ملتزمًا في أول الأمر، بل يكثر في الجزء الأول مالا أعزو فيه، ومنه ما هو مشترك بين ما فهمته منه ومن كتب التفسير الأخرى، أو من نص الآية، على أنني عبرت عنه بأمالي مقتبسة، ولما كان رحمه الله تعالى يقرأ كل ما أكتبه إما قبل طبعه وهو الغالب، وإما بعده وهو الأقل، لم أكن أرى حرجًا فيما أعزو إليه مما فهمته منه وإن لم أكن كتبته عنه في مذكرات الدروس، لأن إقراره إياه يؤكد صحة الفهم وصدق العزو». (١)
واستمر الإمام محمد عبده والشيخ رضا في هذه الطريقة من التفسير من عام ١٣١٨ هـ إلى عام ١٣٤٣ هـ/ حيث توفي الإمام في هذا العام، بعدما
_________________
(١) انظر تفسير المنار (١/ ١٢ - ١٥).
[ ١٢٢ ]
استمر أكثر من ست سنوات في إلقاء دروس التفسير في جامع الأزهر، مبتدءا من أول القرآن إلى أن وصل إلى قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ (١)، فكان مجمل ما قرأه الأستاذ الإمام ما يقارب خمسة أجزاء في ست سنين.
وبعد أن توفي الإمام ﵀، شعر محمد رشيد رضا بعبء المسئولية الملقاة إليه، وأنه لابد من أن يتحمل وحده تبعه تأليف تفسير للقرآن، فعزم على إتمام هذا التفسير كاملًا، فبدأ من حيث انتهى الإمام في تفسير القرآن إلى أنه وافته المنية بعدما أنهى تفسير الآية ١٠١ من سورة يوسف وهي قوله تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. (٢)
فكان مجمل ما فسره بعد وفاة الإمام ما يقارب سبعة أجزاء في أكثر من ثلاثين سنة.
وانتهى تفسير المنار بما أتمه الشيخ رضا إلى اثني عشر مجلدًا، ينتهي المجلد الثاني عشر وقد أكمل الأستاذ بهجت البيطار تفسير سورة يوسف، وطبع تفسير هذه السورة بتمامها في كتاب مستقل يحمل اسم الشيخ رضا ﵀. (٣)
_________________
(١) النساء ١٢٦.
(٢) يوسف ١٠١.
(٣) انظر التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي (٢/ ٥٧٧)، وكتاب «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» للأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، ٩٥ - ٩٦ دار النفائس الأردن، الطبعة الأولى ٢٠٠٧ م.
[ ١٢٣ ]