فقد كان لرشيد رضا في تفسيره آراء وأقوال خالف فيها آراء جمهور المفسرين، وقد كانت له آراء أيضًا لم يسبقه بالقول فيها أحد.
مثال ذلك مخالفته جمهور المفسرين في آية الوصية (١)، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ (٢)
فجمهور المفسرين على أنها منسوخة، ويرى رشيد رضا أنها غير منسوخة، ثم يحاول بعد ذلك أن يضعف حديث «لا وصية لوارث»، بحجة أن الشيخين لم يروياه مسندًا لعدم ثقتهما به، وأن البخاري قد رواه مرفوعًا عن ابن عباس﵁ -، وأنه لا يعقل أن ينسخ القرآن بالحديث.
ولا شك أن الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين بأن الآية منسوخة وأن حديث: «إن الله قد أعطى لكل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث». (٣) حديثٌ صحيح تلقته الأمة بالقبول.
وأجمع جمهور الأئمة على صحته، يقول الشافعي ﵀: «وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من بالمغازي من قريش وغيرهم
_________________
(١) تفسير المنار (٢/ ١٣٧ - ١٤٠).
(٢) البقرة: ١٨٠.
(٣) رواه الترمذي في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث (٢١٢)، وقال حديث حسن صحيح ورواه النسائي في السنن في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث ورواه ابن ماجه في كتاب لا وصية لوارث حديث (٢٧١٢)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٢٣٨).
[ ١٥٥ ]
لا يختلفون في أن النبي - ﷺ - قال عام الفتح: «لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن بكافر». (١)
ويقول: ويؤثر عمن حفظوا عنه، ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، كذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين». (٢)
ومثال ذلك أيضا، مخالفة جمهور المفسرين في تحديد من ينطبق عليها معنى الإحصان.
فهو يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. (٣)
«ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر وهو كونهن أبكارًا، ولأنهم يعدون من تزوجت محصنةً، وإن تأيمت بطلاق، أو موت زوجها، والوصف لا يفيد ذلك، فإن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها، فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما أنها لا تسمى متزوجة». (٤)
وهذا القول بلا شك مخالف لما عليه جمهور المفسرين والفقهاء بأن المحصنة «هي من تزوجت وإن أمت بطلاق زوجها أو موته»، ثم أن الغامدية التي رجمت لم تكن ذات زوج والحق ما أجمع عليه العلماء. (٥)
_________________
(١) الأم (ج ٤/ ٣٦) طبعة دار الشعب.
(٢) الرسالة صـ ١٣٩، ت/ أحمد شاكر.
(٣) النساء ٢٥.
(٤) تفسير المنار (٢/ ١٥٠).
(٥) المفسرون مدارسهم ومناهجهم، د. فضل حسن عباس، ص ١٣٩.
[ ١٥٦ ]
وكذلك مخالفته إجماع المفسرين في آية التيمم في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. (١)
حيث يرى أن التيمم مباح للمسافر حتى مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبقه إليه أحد. (٢)
والمجمع عليه عند العلماء والأئمة أن التيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله. (٣)
وكذلك مخالفته جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (٤)، فجمهور المفسرين على أن المسخ هنا مسخ حقيقي، وذهب الشيخ رشيد رضا إلى القول بأنه معنوي، تابعًا في ذلك رأى مجاهد، لأنه موافق لمنهجه العقلي. (٥)
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر أثر مجاهد: «وهذا قولٌ غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ
_________________
(١) النساء ٤٣.
(٢) تفسير المنار (٢/ ١٥٤).
(٣) انظر المغني (٤/ ٣) والنووي شرح مسلم (١١/ ٩) والقرطبي «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٣٥٢).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٦٥.
(٥) تفسير المنار (٩/ ٣٧٩).
[ ١٥٧ ]
مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ (١) (٢)
ثم قال بعد أن ساق أقوال الأئمة المؤيده لقوله: «والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريًا، بل الصحيح أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم». (٣) يعني أنه يشمل مسخ صورهم ومسخ أخلاقهم.
وكذلك تأويله لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ (٤)، حيث يقول: «ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية» (٥)، وهذا بلا شك قول باطل لم يقل به أحد من أئمة التفسير، فالقصص القرآنية هي عبارة عن قصص حقيقية واقعة باتفاق أهل التفسير. (٦)
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦٠.
(٢) تفسير بن كثير (١/ ١٩٠).
(٣) تفسير بن كثير (١/ ١٩٢).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤٣.
(٥) تفسير المنار (٢/ ٤٥٧).
(٦) انظر (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) للدكتور فهد الرومي، ص ٤٤٢ - ٤٦٥.
[ ١٥٨ ]