كثرة الاستطرادات والتفريعات من المآخذ التي تحسب على تفسير المنار ولذا رأيناه ينصح القارئ في مقدمة تفسيره بمطالعة هذه الفصول الاستطرادية في غير وقت قراءته التفسير، ولكن هذا قد يكون صعبًا على القارئ من الناحيتين الموضوعية والنفسية، إذ لا نتصور قارئًا ما يسهل عليه أن يقرأ تفسير بعض آية ثم يترك الاستطرادات التي قد يكون لها تعلق بتفسير الآية ولو من بعيد، ولعل من أبرز تلك الاستطرادات والتفريعات الكثيرة.
تفسيره لمطلع سورة يونس حيث كتب فصولًا عند تفسير قوله تعالى ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾. (١)
تزيد على مائة وخمسين صفحة وهي التي جردت فيما بعد فكانت كتاب «الوحي المحمدي».
وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢) من سورة المائدة، حيث كتب ما يزيد عن سبعين صفحة.
وعند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ (٣) من سورة الأنعام. كتب ما يزيد عن خمسين صفحة.
_________________
(١) يونس ٢.
(٢) المائدة ١٠١.
(٣) الأنعام ١٢٨.
[ ١٥٣ ]
وكذلك استطراداته وتفريعاته في خلاصات السور والتي يجعلها في نهاية كل سورة.
ولا شك أن هذه الاستطرادات والتفريعات تخرج بالقارئ في كثير من الأحيان عن موضوع الآية.
كما أنها ليست دائما تتعلق بمسائل الدين، أو قضايا اللغة بل تتعداها إلى بعض المسائل الكونية كالنبات والفلك والرياح.
مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ (١) من سورة الأعراف.
حيث استطرد في بيان بعض نعم الله على الخلق كالهواء والرياح وبدأ يتكلم عن تركيب الهواء وفائدته للحياة والإنسان والنبات. (٢)
وكان الشيخ رشيد رضا ﵀ شعر بذلك فحاول أن يكتب تفسيرًا مختصرًا يجعله كالمتن لهذا التفسير على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان.
إلا أن المنية عاجلته فلم يكتب منه إلا بعض الأجزاء وسماه «التفسير المختصر المفيد». (٣)
_________________
(١) الأعراف ٥٨.
(٢) تفسير المنار (٨/ ٤٨٢).
(٣) انظر «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» د. فضل حسن عباس ٢٠١، وكتاب (رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) لشكيب ارسلان، ص ١٦٢ - ١٦٥.
[ ١٥٤ ]