من ضمن المنهج العقدي الذي اتبعه رشيد رضا في تفسير المنار هو كثرة استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها وبيان بعدها عن الصواب والحق، وذلك لكي يتضح للقارئ مدى صحة ما يذهب إليه من آراء وأقوال.
والذي يدل على سعة إطلاع الشيخ رشيد بآراء المتكلمين وأدلتهم أنه يذكر القول الذي يميلون إليه فيفسده ويبين بطلانه بأسلوب رائع وبأدلة علمية لا مجال لردها أو تأويلها.
وسوف أذكر هنا بعض تلك الاستشهادات ورده عليها، ليتضح للقارئ الكريم مدى سعه علم الشيخ وإطلاعه.
مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤) من سورة الأنعام.
_________________
(١) النحل ١٠٣.
(٢) تفسير المنار (١١/ ١٨٧).
(٣) تفسير المنار (١١/ ١٢٧)
(٤) الأنعام ١٦٠.
[ ١٤٧ ]
يقول: «ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئًا، وقول المعتزلة إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثًا قبيحًا، ومن ثم قال الجبائي وغيره: يجب أن تكون العشرة الأمثال في جزاء الحسنة تفضلًا، والثواب غيرها وهو أعظم منها وقال آخرون، يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأنًا من التسعة، ونقول، إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها وإذا كان التفضل مازال وفضل على أهل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثًا، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغنى به، عنه كما هو واضح». (١)
وكذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. (٢)
يعقد فصلًا طويلًا يتكلم فيه عن آراء المتكلمين وأهل الكلام في الخلق والتقدير والجبر والتوفيق والخذلان واختيار الإنسان.
والرد على الجبرية والقدرية، والقول الوسط في مسألة الحسن والقبح، ومسألة أفعال العباد وأفعال الباري عزوجل.
_________________
(١) تفسير المنار (٨/ ٢٣٦).
(٢) الأنعام ١٢٥.
[ ١٤٨ ]
ثم يقول في آخره: «وجملة القول أن كلًا من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الإلوهية الربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات وبعضهم في النفي والوسط بين ذلك وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام أبعد عن الصواب، وعن مذهب السلف.
ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب ». (١)
وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٢)، حيث يقول: «وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاء الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عزوجل، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيءً من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلمًا، ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضا، فهذا يقول إن إثابة المحسن وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق للحكمة، فهو
_________________
(١) تفسير المنار (٨/ ٦٢).
(٢) سورة النساء، الآية ٤٠.
[ ١٤٩ ]
واجب عليه تعالى أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ «واجب عليه» ولعلهم قالوا «يجب له» فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنيًا على المشاحة في الألفاظ والاصطلاحات، وكتاب الله ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه». (١)
_________________
(١) تفسير المنار (٥/ ١٠٧).
[ ١٥٠ ]