كان اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية والإعرابية لا يقل عن اهتمامه بالتحقيقات اللغوية، فكان يهتم في تفسيره بالقضايا البلاغية المهمة، كتحدثه عن براعة خواتم السورة وفواتحها، وعلاقة السورة بما قبلها، وبلاغة التناسب بين سوره وآياته، وبلاغته في إيجازه، وكان يرى أن الإنسان لا يمكنه أن يتعظ بالقرآن إلا إذا كان لديه بعض فنون البلاغة. (٢)
مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. (٣)
قال: «ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر «غفور» له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات، والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن
_________________
(١) تفسير المنار «٩/ ٣٨٦».
(٢) المصدر نفسه والصفحة.
(٣) البقرة ١٧٣.
[ ١٣٠ ]
يعرف القدر الذي يمسك الرمق وبقي من الهلاك بالتدقيق، وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود والله أعلم». (١)
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. (٢)
يقول: «قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الأخبار، بل التحسر والتحزن والاعتذار، فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه، والأنثى لا تصلح لذلك عادة لا سيما في أيام الحيض». (٣)