فكان لا يكتفي رشيد رضا في تفسيره للآية أو السورة في بيان معناها وما تدل عليه والمراد منها.
بل كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فكان يذكر الحكمة من تشريعها وما تشتمل عليه من مصالح للفرد أو للجماعة سواء كانت روحية أو مادية، نجد هذا واضحًا في آيات الحج والصوم والقصاص وغيرها، وهو في أثناء ذلك كله يبين عظمة الإسلام وما يمتاز به من رحمة وعدالة ويسر.
_________________
(١) تفسير المنار (٢/ ٣٠٠).
(٢) آل عمران ٣٦.
(٣) تفسير المنار (٣/ ٢٨٨).
[ ١٣١ ]
مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. (١)
فبعد أن بين معنى الآية والمراد منها ذكر الحكمة من تشريع الصيام، حيث يقول: «ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوفٌ رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه - ﷺ -، ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله: «رحماء بينهم» ومن فوائد الصيام الاجتماعية المساواة بين الأغنياء والفقراء والمملوك والسوقه، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، فجميع المسلمين يفطرون في وقتٍ واحد لا يتقدم أحد على أحد آخر دقيقه واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة، ومن فوائده الصحية أنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوه على الكر والفر، قال - ﷺ - «صوموا تصحو» رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وأشار في الجامع الصغير إلى حسنه ويؤيده «أغزو تغنموا، وصوموا تصحوا وسافرو تستغنوا» رواه الطبراني في الأوسط عنه.
وقال بعض أطباء الأفرنج: إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.
_________________
(١) البقرة ١٨٣.
[ ١٣٢ ]
وأعظم فوائدة كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى، كما هو الملاحظ في النية على ما قدمناه ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله تعالى في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابا كمن ينوي التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال». (١)