فالشيخ رشيد رضا يميل للقول بفناء النار وعدم خلود أهلها فيها مخالفًا بذلك إجماع أهل السنة بالقول بعدم فناء النار وخلود أهلها فيها.
قال الإمام أحمد ﵀: «وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها، خلقهما الله ﷿، ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفني ما فيهما أبدًا، فإن احتج مبتدعٌ أو زنديق بقول الله ﷿ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له، كل شيء مما كتب الله
_________________
(١) المنار (٩/ ٤٨٨).
(٢) انظر تفسير المنار سورة الأنعام آية ١٢٨، حيث أطال الشيخ رشيد رضا الكلام في هذه المسألة، ثم مال إلى القول بفناء النار وعدم خلود أهلها فيها. - وأنظر كذلك تفسيره سورة المائدة آية ١١٨، حيث يقول عند قوله تعالى «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» قال «فإن ظاهر هذه الآية جواز مغفرة الشرك، فإن قيل إن الله تعالى بين أنه لا يغفرُ الشرك، قلنا إنما يدل هذا على أن العقاب على الشرك حتمٌ مقضي ولكنه لا يدل على أنه سرمدي».
(٣) سورة القصص ٨٨.
[ ٩١ ]
﷿ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا». (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفني بالكلية، كالجنة والنار والعرش». (٢)
وقال الإمامان الحافظان الرازيان رحمهما الله، أبو حاتم وأبو زرعة: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازًا وعرقًا - شامًا - ويمنًا - فكان من مذهبهم .. الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا». (٣)
وقال الحافظ ابن حزم: «الجنة حق والنار حق، داران مخلوقتان هما ومن فيهما بلا نهاية، كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام». (٤) (٥)
ونسب بعضهم القول بفناء النار، وعدم خلود الكافرين فيها إلى ابن
_________________
(١) (طبقات الحنابلة) للعلامة محمد ابن محمد أبي يعلى، طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمد الفقي، (١/ ٢٨).
(٢) مجموع الفتاوي (١٨/ ٣٠٧).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٩) للالكائي.
(٤) (الدرة فيما يجب اعتقاده) للعلامة علي ابن أحمد ابن حزم، تحقيق عبد الحق التركماني، طبعة دار ابن حزم، بيروت، ص ٢٧.
(٥) للاستزادة انظر، ما قاله الإمام أحمد في الرد على الجهمية وبن خزيمة في كتاب التوحيد، وأبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة بالطحاوية، وأبو الحسن البربهاري في شرح السنة، والأجرى في الشريعة، وابن أبي زيد في القيروانية، وابن حزم في المحلى.
[ ٩٢ ]
القيم بناءً على ما فهمه من كلامه سواء في «حادي الأرواح» أو في «شفاء العليل».
والصحيح أن ابن القيم قد صرح بأن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع حيث يقول «والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة السلف، والذين قالوه إنما تلقوه من قياسٍ فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقًا». (١)
وقال أيضا: «الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها». (٢)
وقال أيضًا: «الذي دل عليه القرآن والسنة أن الكفار خالدون في النار أبدًا وأنهم غير خارجين منها، وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين». (٣)
ومثل ذلك موجود في كثير من مؤلفاته، وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين، تبرئة ابن القيم مما نسب إليه أو فهم من كلامه، ومنهم الدكتور بكر أبو زيد ﵀ في كتابه «ابن القيم حياته وآثاره» ص ١٤٨.
_________________
(١) (حادي الأرواح) للعلامة محمد ابن أبي بكر ابن قيم الجوزية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٢٤٧.
(٢) (حادي الأرواح) ٣١٤.
(٣) المصدر نفسه ٣١٢.
[ ٩٣ ]
والدكتور عبد الله محمد جار النبي في كتابه «ابن القيم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف» ص ٥٦٧.
وللعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني كتاب بعنوان: «رفع الأستار لإبطال أدله القائلين بفناء النار» وقد حققه العلامة الألباني، وكان ردًا علميًا رصينًا قويًا أبطل فيه أدلة القائلين بفناء النار وبين كذلك أن الآثار التي استشهدوا بها إما أنها لا تصح والصحيح منها غير صريح.
وكذلك لابن تيمية رسالة بعنوان: «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» وبيان الأقوال في ذلك» بتحقيق ودراسة د. محمد عبد الله السمهري والذي أثبت في مقدمة الرسالة صحة نسبتها لابن تيمية.