حيث يقول: «إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالبا للملك ومحبا للرياسة، وأنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مفتاتًا، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بن أبي طالب بعد أن بايعه أولوا الأمر ». (١)
ويقول في موضع آخر: «ونحن من أولياء علي - ﵇ والرضوان لا من أولياء معاوية وفئته الباغية - عليهم من الله ما يستحقون - ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين، وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ - من المجلد الثامن - أنه كان يقول «لا نحُب
_________________
(١) مجلة المنار (٩/ ٢١٣).
[ ٩٤ ]
معاوية ولا نسُبه» وكيف نحُب من بغى على جدنا وخرج عليه وكان سببًا في تلك الفتن التي كانت نكتةً سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام، وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لنا الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى حكومة شخصية استبدادية ». (٢)
وهذا القول بلا شك مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة في معاوية بن أبي سفيان ﵄.
فالذي عليه أهل السنة والجماعة، وسلف الأمة وأئمتها، هو محبة الصحابة والترضي عنهم والدعاء لهم ومعاوية بن أبي سفيان من جملة هؤلاء الصحابة الكرام، بل ومن خيارهم.
كيف لا وهو خال المؤمنين، وكاتب وحي النبي - ﷺ - وقد دعي له النبي - ﷺ - فقال: «اللهم علم معاوية الكتاب وقه العذاب». (٣)
وقال - ﷺ -: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهده واهدِ به، ولا تعذبه». (٤)
_________________
(١) سورة الشورى، الآية ٣٨.
(٢) مجلة المنار (١٢/ ٩٥٤).
(٣) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧) وابن حبان في صحيحة رقم (٧٢١٠) وابن خزيمة في صحيحة برقم (١٩٣٨) وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٩٦١).
(٤) أخرجه البخاري التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠) وأحمد في المسند (٤/ ٢١٦) والترمذي في سننه برقم (٤١١٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٣٠١٨) وبالسلسلة الصحيحة برقم (٣٢٢٧).
[ ٩٥ ]
وقال - ﷺ -: «أول جيشٍ من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم». (١)
وكان أول من غزا معاوية في زمن عثمان بن عفان ﵄.
ولقد ولاه عمر بن الخطاب﵁ - الشام كلها، لما رأى حسن سيرته، وقيامه بالمسلمين، وسد الثغور، وإصلاح الجند، وغلبة العدو، وسياسة الخلق.
وسئل الإمام أحمد عن رجُلٍ انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال إنه رافضي؟ قال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئةُ سوء، وما يبغض أحدٌ أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا وله داخلةُ سوء». (٢)
وقال ابن المبارك: «معاويةٌ عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شزرًا أهمناه على القوم، يعني على أصحاب النبي - ﷺ -». (٣)
وقيل لعبد الله بن المبارك، ما تقول في معاوية هو أفضل أم عمر بن عبدالعزيز؟، فقال: «لترابٌ في منخري معاوية مع رسول الله - ﷺ - خيرٌ أو أفضل من عمر بن عبدالعزيز». (٤)
وقال ابن تيمية: «من لعن أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - كمعاوية بن أبي
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في قتال الروم (٣/ ١٠٦٩)، رقم (٢٧٦٦).
(٢) (تاريخ دمشق) لابن عساكر، طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، (٥٩/ ٢٠٩).
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٩٦ ]
سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين». (١)
وقال في العقيدة الواسطية في موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي - ﷺ -: «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ -» ثم قال: «ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد ونقص وغير عن وجهه الصريح، والصحيح منه هم فيه معذورون، وإما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون، مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر». (٢)
وقال ابن تيمية في منهاج السنة: «لم يكن من ملوك الإسلام ملكٌ خيرًا من معاوية، وكانت سيرته مع رعيته من خيار سيرة الولاة، وقد كانت رعيته يُحبونه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «خيارُ أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». (٣)
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٣٥/ ٥٨).
(٢) (العقيدة الواسطية) لابن تيمية ص ٤٨٤، طبعة دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٧ هـ.
(٣) بن تيمية «منهاج السنة» (٦/ ٨٨) مؤسسة قرطبة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
[ ٩٧ ]
وقال ابن خلدون في تاريخه: «إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلُحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة». (١)
فكان الأولى بالشيخ محمد رشيد رضا جهة الصحابة أن يقول بجملة ما قاله ابن تيمية في الصحابة، لا سيما وأن ما قاله ابن تيمية هو قول أهل السنة والجماعة، وأن يبتعد عن اثاره ما جرى من الفتن والقتال بين الصحابة، والطعن والتقليل من شأن معاوية﵁ -، لا سيما أن الكلام في هذه المسألة لا يستفاد منه في شيء سوى إثارة النعرات الطائفية والخلافات بين عامة الناس، ويكون مدعاةً لسب معاوية والتنقص منه من من لا يمنعه من ذلك دينٌ ولا تقوى.