فالشيخ محمد رشيد رضا يميل إلى إنكار سحر النبي - ﷺ - متبعًا في ذلك قول أستاذه محمد عبده، حيث يقول محمد عبده: «وقد قال كثيرٌ من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوه وما يجب لها إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلد للبدعة». (١)
ورشيد رضا نفسه قد أورد الأحاديث التي تنص على سحر النبي - ﷺ - ضمن الأحاديث التي ينبغي أن ترد لعله في متنها؛ لأنها تمثل شبهه على الدين، ولأن نفس النبي - ﷺ - أقوى من أن يكون لمن دونه تأثيرًا فيها. (٢)
والصواب أن أحاديث السحر صحيحة لا مطعن ولا شبهه فيها، وهي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن.
قال ابن القيم: عن حديث السحر «ثابتٌ عند أهل العلم بالحديث، لا يختلفون في صحته، وقد أتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمه واحده، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين». (٣)
_________________
(١) تفسير جزءهم، محمد عبده، ص ١٨٠.
(٢) مجلة المنار (١٤/ ٦٢٣).
(٣) انظر التفسير القيم، ابن القيم سورة العلق، ص ٥٦٦.
[ ١٠٠ ]
وقال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط: «ورواه أيضا أحمد والنسائي وابن سعد والحاكم وعبد بن حُميد وابن مردوية والبيهقي في دلائل النبوه وغيرهم، وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم متلقى عندهم بالقبول». (١)
تلك هي درجة الحديث عند أهل الحديث والمختصين به، أما ما ذكر من أن الحديث فيه تقليل من منصب النبوه أو أنه يمثل شبهة في الدين فهو غير صحيح.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «قال المازري قد أنكر هذا الحديث المبتدعة من حيث إنه يحبط من منصب النبوه، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وقالوا فلعله حينئذ يخيل إليه أن جبريل ﵇ يأتيه وليس ثم جبريل، وأن أوحى إليه وما أوحى إليه، وهذا كله مردود لأن الدليل على صدق النبي - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضه لما يعترض البشرى كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمرٍ من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين». (٢)
وقال أبو الجعني اليوسفي ﵀: «أما وقوع المرض للنبي - ﷺ - بسبب
_________________
(١) جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط (٥/ ٦٧).
(٢) فتح الباري لابن حجر (ج ١٠/ ٢٢٦).
[ ١٠١ ]
السحر فلا يجر خللًا لمنصب النبوه، لأن المرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله، بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارةً فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله - ﷺ - قادحًا في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى، فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تلقف ما صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ (١)، ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيل لموسى أولًا من سعي عصي السحرة قادحًا في رسالته، بل وقوع مثل هذا للأنبياء يزيد من قوة الإيمان بهم، لكون الله ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة، ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين». (٢)
وقال القاضي عياض ﵀: في «الشفاء» في رده على من ينكر حديث سحر النبي - ﷺ - ومن يقول بأنه فيه تشكيكًا في الشرع.
_________________
(١) سورة طه الآية ٦٨ - ٧٠.
(٢) زاد المسلم (٤/ ٢٢).
[ ١٠٢ ]
قال: «فاعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفقٌ عليه، وقد طعنت فيه الملحده وتذرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها، إلى التشكيك في الشرع، وقد نزه الله الشرع والنبي - ﷺ - عما يدخل في أمره لبسًا، وإنما السحر مرضٌ من الأمراض وعارضٌ من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طرُوُءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضةٌ للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان». (١)