يقول الشيخ رضا: «إن تعدد الزوجات خلاف الأصل الطبيعي في الزوجية فإن الأصل أن يكون للرجل امرأة واحدة يكون بها كما تكون به زوجًا ولكنه ضرورة تعرض للاجتماع ولا سيما في الأمم الحربية كالأمة الإسلامية، فهو إنما أبيح للضرورة واشترط فيه عدم الجور والظلم». (٣)
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٣٣٢).
(٢) (المحلى) لعلي ابن أحمد ابن حزم، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، (٧/ ٤٠٦).
(٣) تفسير المنار (٤/ ٤٢١).
[ ٨٦ ]
وهو بقوله هذا يردد ما قاله قبله أستاذه وشيخه محمد عبده إذا يقول «إن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمرٌ مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور». (١)
فمحمد رشيد رضا وأستاذه محمد عبده يحريان أنه لا يجوز الزواج بثانية ما دامت الزوجة الأولى في عصمته، وليس بها بأس أو عله فجاؤا بقول لم يقل به أحد من قبلهم. (٢)
وفي الحقيقة أن هذا القول بعيد كل البعد عن الصواب بل وعن الواقع، وهو أيضًا قولٌ مردود إذ لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه - ﷺ -، ومازال المسلمون منذ عهد النبي - ﷺ - إلى عهدنا هذا يتزوجون من غير ضرورةٍ ولا حاجة من غير نكير من أحد، فمن أين أتى الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا بهذا القيد وهو أن التعدد لا يباح إلا عند الضرورة؟
والذي عليه إجماع أهل العلم أنه يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، ولم يُذكر عن أحدٍ منهم أنه قيده بالضرورة والحاجة (٣)،
بل هو من الأمور المباحة التي أباحها الله لعباده حيث قال تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) قال بن كثير: «أي انكحوا ما شئتم من النساء
_________________
(١) المصدر السابق (٤/ ٣٤٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) «فتح القدير» للشوكاني (١/ ٣٨٥).
(٤) النساء ٣.
[ ٨٧ ]
إن شاء أحدكم اثنتين وإن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا». (١)
ثم أنه لم يكتف الإمام محمد عبده بالقول أن تعدد الزوجات أبيح للضرورة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان يطالب بإصدار قانون يمنع بموجبه تعدد الزوجات.
حيث يقول «يجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغيير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرمة قطعا عند الخوف من عدم العدل». (٢)
ويقول: «وأما جواز إبطال هذه العادة أي عادة تعدد الزوجات فلا ريب فيه» (٣) فهو يرى أنها «عادة» وليست حكمًا شرعيًا أباحة الله لعباده.
_________________
(١) تفسير بن كثير (٢/ ٢٠٧).
(٢) تفسير المنار (٤/ ٣٤٩).
(٣) (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)، جمع وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٧٨ م، (٢/ ٩٤).
[ ٨٨ ]