قَوْله بأنفذ صَوت هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقَيده أَبُو بَحر عَن أبي الْوَلِيد بأبعد صَوت والجباجب يَعْنِي منَازِل منى قَالَ السُّهيْلي وَأَصله أَن الأوعية من الْأدم كالزنبيل وَنَحْوه يُسمى جبجبة فَجعل الْخيام والمنازل لأَهْلهَا كالأوعية وأزب الْعقبَة كَذَا تقيد فِي هَذَا الْموضع وَقَالَ ابْن مَاكُولَا أم كرز بنت الأزب بن عَمْرو بن بكيل من هَمدَان جدة أم الْعَبَّاس أمه عقيلة وَقَالَ لَا يعرف الأزب فِي الْأَسْمَاء إِلَّا هَذَا وإزب الْعقبَة وَهُوَ اسْم شَيْطَان قَالَ السُّهيْلي وَوَقع فِي غَزْوَة أحد إزب الْعقبَة بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي وَفِي حَدِيث ابْن الزبير مَا يشْهد لَهُ حِين رأى رجلا على برذعة رَحْله طوله شبر فَقَالَ مَا أَنْت قَالَ إزب قَالَ وَمَا إزب قَالَ رجل فَضَربهُ على رَأسه بِعُود السَّوْط حَتَّى باض أَي هرب وَقَالَ يَعْقُوب فِي الْأَلْفَاظ الإزب الْقصير وَحَدِيث ابْن الزبير ذكره القتبي فِي الْغَرِيب فَالله أعلم أَي الضبطين أصح وَقَالَ السُّهيْلي فِي يَوْم اُحْدُ الله أعلم هَل الأزب أَو الإزب شَيْطَان وَاحِد أَو اثْنَان وَابْن أزيب فِي رِوَايَة ابْن هِشَام يجوز أَن يكون فعيلا من الإزب والأزيب والبخيل وأزيب
[ ٢٨٩ ]
اسْم ريح من الرِّيَاح الْأَرْبَع والأزيب الْفَزع أَيْضا والأزيب الرجل المتقارب الْمَشْي وَهُوَ على وزن أفعل قَالَه صَاحب الْعين وَيحْتَمل أَن يكون ابْن أزيب من هَذَا أَيْضا وَأما الْبَخِيل فأزيب على وزن فعيل لِأَن يَعْقُوب حكى فِي الْأَلْفَاظ أمرأ أزيبة وَلَو كَانَ على وزن أفعل فِي الْمُذكر لَكَانَ فِي الْمُؤَنَّث على وزن زيباء إِلَّا أَن فعيلا فِي أبنية الْأَسْمَاء عَزِيز وَقد قَالُوا فِي ضهياء وَهِي الَّتِي لَا تحيض من النِّسَاء فعلى وَجعلُوا الْهمزَة زَائِدَة
قَالَ السُّهيْلي وَهِي عِنْدِي فعيل لِأَن الْهمزَة فِي قِرَاءَة عَاصِم لَام الْفِعْل فِي قَوْله ﷿ ﴿؟﴾ ﴿يضاهئون﴾ والضهيا من هَذَا لِأَنَّهَا تضاهي الرجل أَي تشبهه وَيُقَال فِيهِ ضهياء بِالْمدِّ فَلَا إِشْكَال أَنَّهَا للتأنيث على لُغَة من قَالَ ضاهيت بِالْيَاءِ وَقد يجوز أَن تكون أزيب وأزيبة مثل أرمل وأرملة فَلَا يكون فعيلا وَقَوله وَكَانَ عَلَيْهِ نَعْلَانِ جديدان النَّعْل مُؤَنّثَة وَلَا يُقَال جَدِيدَة فِي الفصيح من الْكَلَام وَإِنَّمَا يُقَال ملحفة جَدِيد لِأَنَّهَا فِي معنى مجدودة أَي مَقْطُوعَة فَهِيَ من بَاب كف خضيب وَامْرَأَة قَتِيل قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَمن قَالَ جَدِيدَة فَإِنَّمَا أَرَادَ معنى حَدِيثَة أَي بِمَعْنى حَادِثَة وكل فعيل بِمَعْنى فَاعل تدخله التَّاء فِي الْمُؤَنَّث وَالله أعلم
الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان حُضُور الشَّيْطَان وقْعَة بدر
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ قَالَ ابْن اسحاق حَدثنِي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَعبد الله ابْن أبي بكر وَيزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة بن الزبير وَغَيرهم من عُلَمَائِنَا عَن ابْن عَبَّاس كل قد حَدثنِي بعض الحَدِيث فَاجْتمع حَدِيثهمْ فِيمَا سقت من حَدِيث بدر قَالَ لما سمع رَسُول الله ﷺ بِأبي سُفْيَان مُقبلا من الشَّام ندب الْمُسلمين اليهم وَقَالَ هَذِه عير قُرَيْش فِيهَا أَمْوَالهم فاخرجوا
[ ٢٩٠ ]
إِلَيْهَا لَعَلَّ الله ينفلكموها فَانْتدبَ الْمُسلمُونَ فخف بَعضهم وَثقل بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لم يَظُنُّوا أَن رَسُول الله ﷺ يلقِي حَربًا وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حِين دنا من الْحجاز يتجسس الْأَخْبَار وَيسْأل من يلقى من الركْبَان حَتَّى قيل لَهُ إِن مُحَمَّدًا ﷺ قد اسْتنْفرَ أَصْحَابه لَك وأميرك فحذر عِنْد ذَلِك فاستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَبَعثه إِلَى مَكَّة وَأمره أَن يَأْتِي قُريْشًا ويستنفرهم إِلَى أَمْوَالهم ويخبرهم أَن مُحَمَّدًا ﷺ قد عرض لَهَا فِي أَصْحَابه فَخرج ضَمْضَم سَرِيعا إِلَى مَكَّة فَصَرَخَ بِبَطن الْوَادي وَاقِفًا على بعيره وَقد جدع بعيره وحول رَحْله وشق قَمِيصه يَقُول يَا معشر قُرَيْش اللطيمة اللطيمة أَمْوَالكُم مَعَ أبي سُفْيَان قد عرض لَهَا مُحَمَّد ﷺ فِي أَصْحَابه لَا أرى أَن تدركوها الْغَوْث الْغَوْث فتجهز النَّاس سرَاعًا فَكَانُوا بَين رجلَيْنِ إِمَّا خَارج وَإِمَّا باعث مَكَانَهُ رجلا وأوعيت قريس فَلم يتَخَلَّف من أَشْرَافهَا أحد الا أَبُو لَهب بن عبد الْمطلب قد تخلف وَبعث مَكَانَهُ الْعَاصِ بن هِشَام بن الْمُغيرَة وَكَانَ قد لَاطَ لَهُ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم كَانَت لَهُ عَلَيْهِ أفلس بهَا فاستأجره على أَن يجْرِي عَنهُ بَعثه وتخلف أَبُو لَهب قَالَ ابْن اسحاق وحَدثني عبد الله بن أبي نجيح بن أُميَّة بن خلف وَقد أجمع على الْقعُود وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا ثقيلا فَأَتَاهُ عقبَة بن أبي معيط وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد فِي قومه بمجمرة يحملهَا فِيهَا نَار وهجم حَتَّى وَضعهَا بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا عَليّ استجمر فَإِنَّمَا أَنْت من النِّسَاء فَقَالَ قبحك الله وقبح مَا جِئْت بِهِ قَالَ ابْن اسحاق وَلما فرغوا من جهازهم وَأَجْمعُوا السّير ذكرُوا ماكان بَينهم وَبَين بني بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن الْحَارِث فَقَالُوا إِنَّا نخشى أَن يَأْتُونَا من خلفنا فتبدى لَهُم إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جشم الْكِنَانِي المدلجي وَكَانَ من أَشْرَاف بني كنَانَة فَقَالَ أَنا جَار لكم من أَن تَأْتيكُمْ كنَانَة من خلفكم بِشَيْء تكرهونه فَخَرجُوا سرَاعًا وَذكر ابْن عقبَة وَابْن عَائِذ فِي هَذَا الْخَبَر وَأَقْبل الْمُشْركُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة فَحَدثهُمْ أَن بني كنَانَة وَرَاءَهُمْ قد أَقبلُوا لنصرهم وَأَنه لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم قَالَ ابْن اسحاق وَعُمَيْر بن وهب والْحَارث بن هِشَام هُوَ الَّذِي راى إِبْلِيس حِين نكص على عَقِبَيْهِ عِنْد نزُول الْمَلَائِكَة وَقَالَ ﴿إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ﴾ فَلم يزل حَتَّى أوردهم ثمَّ أسلمهم فَفِي ذَلِك يَقُول حسان
[ ٢٩١ ]
. سرنا وَسَارُوا إِلَى بدر لحينهم لَو يعلمُونَ يَقِين الْعلم مَا سَارُوا
دلاهما بغرور ثمَّ أسلمهم إِن الْخَبيث لمن وَالَاهُ غرار
وَذكر غير ابْن اسحاق أَن الْحَارِث بن هِشَام تشبث بإبليس وَهُوَ يرى أَنه سراقَة بن مَالك فَقَالَ إِلَى أَيْن يَا سراق أَيْن تَفِر فلكمه لكمة طَرحه على قَفاهُ ثمَّ قَالَ ﴿إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ قَالَ السُّهيْلي ويروى أَنهم رَأَوْا سراقَة بِمَكَّة بعد ذَلِك فَقَالُوا لَهُ يَا سراقَة أخرمت الصَّفّ وأوقعت فِينَا الْهَزِيمَة فَقَالَ وَالله ماعلمت بِشَيْء من أَمركُم حَتَّى كَانَت هزيمتكم وَمَا شهِدت وَمَا علمت فَمَا صدقوه حَتَّى أَسْلمُوا وسمعوا مَا أنزل الله فِيهِ فَعَلمُوا أَنه كَانَ إِبْلِيس تمثل لَهُم وَقَول اللعين ﴿إِنِّي أَخَاف الله﴾ لِأَن الْكَافِر لَا يخَاف الله إِلَّا أَنه لما رأى جنود الله تنزل من السَّمَاء فخاف أَن يكون الْيَوْم الْموعد الَّذِي قَالَ الله سُبْحَانَهُ فِيهِ ﴿يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين﴾ وَقبل أَيْضا إِنَّمَا خَافَ أَن تُدْرِكهُ الْمَلَائِكَة لما رأى من فعلهَا بحزبه الْكَافرين وَذكر قَاسم بن ثَابت فِي الدَّلَائِل أَن قُريْشًا حِين تَوَجَّهت إِلَى بدر مر هَاتِف من الْجِنّ على مَكَّة فِي الْيَوْم الَّذِي أوقع بهم الْمُسلمُونَ وَهُوَ ينشد بأنفذ صَوت وَلَا يرى شخصه أزار الحنيفيون بَدْرًا وقيعة سينقض مِنْهَا ركن كسْرَى وقيصرا
أبادت رجَالًا من لؤَي وأبرزت خرائد يضربن الترائب حسرا
فياويح من أَمْسَى عَدو مُحَمَّد لقد جَار عَن قصد الْهدى وتحيرا
فَقَالَ قَائِلهمْ من الحنيفيون فَقَالُوا هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَأَصْحَابه يَزْعمُونَ أَنهم على دين إِبْرَاهِيم الحنيف ثمَّ لم يَلْبَثُوا أَن جَاءَهُم الْخَبَر الْيَقِين وَقد بوبنا على هَذِه الأبيات فِيمَا تقدم لمناسبة ذَلِك الْموضع بالأخبار واعدناها فِي هَذَا الْبَاب لتعلقها بِقصَّة بدر وَلَيْسَ الْغَرَض هَا هُنَا إِلَّا ذكر إِبْلِيس وتبديه لقريش دون سِيَاق الْغَزْوَة بكمالها إِذْ لَيْسَ مَوْضُوع هَذَا الْكتاب إِلَّا ذكر الْجِنّ وَالشَّيَاطِين بَقِي مِمَّا يتَعَرَّض إِلَى ذكره قَوْله تَعَالَى ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ وَيذْهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان﴾
قَالَ السُّهيْلي كَانَ الْعَدو قد أحرزوا المَاء دون الْمُسلمين وحفروا الْقلب لأَنْفُسِهِمْ وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد أَحْدَثُوا واجنب بَعضهم وهم لَا يصلونَ
[ ٢٩٢ ]
إِلَى المَاء فوسوس الشَّيْطَان لَهُم أَو لبَعْضهِم وَقَالَ تَزْعُمُونَ أَنكُمْ على الْحق وَقد سبقكم أعداؤكم إِلَى المَاء وَأَنْتُم عطاش وتصلون بِلَا وضوء وَمَا ينْتَظر أعداؤكم إِلَّا أَن يقطع الْعَطش رِقَابكُمْ وَتذهب قواكم فيتحكموا فِيكُم كَيفَ شَاءُوا فَأرْسل الله السَّمَاء فَحلت عزاليها فتطهروا وَرووا وتلبدت الأَرْض لأقدامهم وَكَانَت رمالا وسبخات فتثبتت فِيهَا أَقْدَامهم وَذهب عَنْهُم رجز الشَّيْطَان ثمَّ نهضوا إِلَى أعدائهم وحازوا الْقلب الَّتِي كَانَت لِلْعَدو فعطش الْكفَّار وَجَاء النَّصْر من عِنْد الله وَقبض رَسُول الله ﷺ قَبْضَة من الْبَطْحَاء وَرَمَاهُمْ بهَا فَمَلَأ عُيُون جَمِيع الْعَسْكَر فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَالله الْهَادِي للحق
الْبَاب الموفي اربعين بعد الْمِائَة فِي بَيَان صُرَاخ الشَّيْطَان يَوْم أحد
قَالَ مُحَمَّد بن سعد لما رَجَعَ من حضر بَدْرًا من الْمُشْركين إِلَى مَكَّة وجدوا العير الَّتِي قدم بهَا أَبُو سُفْيَان بن حَرْب مَوْقُوفَة فِي دَار الندوة فمشت اشراف قُرَيْش إِلَى أبي سُفْيَان وَقَالُوا نَحن طيبو الْأَنْفس أَن تجهزوا بِرِبْح هَذِه العير جَيْشًا إِلَى مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان فَأَنا أول من أجَاب إِلَى ذَلِك وَبَنُو عبد منَاف فَبَاعُوهَا فَصَارَت ذَهَبا وَكَانَت الف بعير وَخمسين ألف دِينَار فَسلم إِلَى أهل العير رُؤُوس أَمْوَالهم وأخرجوا أرباحهم وَكَانُوا يربحون فِي تِجَارَتهمْ لكل دِينَار دِينَارا قَالَ ابْن اسحاق ففيهم كَمَا ذكر لي أنزل الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله﴾ إِلَى قَوْله ﴿يحشرون﴾ فاجتمعت قُرَيْش لِحَرْب رَسُول الله ﷺ بأحابيشها وَمن اطاعها من قبائل كنَانَة وَأهل تهَامَة
[ ٢٩٣ ]
قَالَ ابْن سعد وَكتب الْعَبَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ يُخْبِرهُمْ كُله فَأخْبر رَسُول الله ﷺ سعد بن الرّبيع بِكِتَاب الْعَبَّاس قَالَ ابْن اسحاق وَخرج رَسُول الله ﷺ فِي ألف من أَصْحَابه حَتَّى إِذا كَانُوا بِالسَّوْطِ بَين الْمَدِينَة وَأحد انْخَذَلَ عَنهُ عبد الله بن أبي بِثلث النَّاس وتعبى رَسُول الله ﷺ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعمِائة رجل وتعبأت قُرَيْش وَهِي فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل وَمَعَهُمْ مِائَتَا فرس قَالَ ابْن عقبَة وَلَيْسَ فِي الْمُسلمين فرس وَاحِد وَقَالَ الْوَاقِدِيّ لم يكن مَعَ الْمُسلمين يَوْم أحد من الْخَيل إِلَّا فرس لرَسُول الله ﷺ وَفرس لأبي بردة قَالَ ابْن اسحاق وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من يَأْخُذ هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ فَقَامَ إِلَيْهِ رجال فأمسكه عَنْهُم ثمَّ قَامَ أَبُو دُجَانَة سماك بن حَرْب فَقَالَ وَمَا حَقه يَا رَسُول الله قَالَ أَن تضرب بِهِ حَتَّى ينحني قَالَ أَنا آخذه بِحقِّهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَكَانَ أَبُو دُجَانَة رجلا شجاعا يختال عِنْد الْحَرْب إِذا كَانَت وَحين رَآهُ رَسُول الله ﷺ يتبختر قَالَ إِنَّهَا لمشية يبغضها الله إِلَّا فِي مثل هَذَا الْيَوْم وَقَالَ ابْن هِشَام حَدثنِي غير وَاحِد أَن الزبير بن الْعَوام قَالَ وجدت فِي نَفسِي حِين سَأَلت السَّيْف فمنعته واعطاه أَبَا دُجَانَة فَقلت وَالله لأنظرن مَا يصنع فاتبعته فَأخذ عِصَابَة لَهُ حَمْرَاء فعصب رَأسه فَقَالَت الْأَنْصَار أخرج أَبُو دُجَانَة عِصَابَة الْمَوْت وَهَكَذَا كَانَ يَقُول إِذا عصب بهَا فَجعل لَا يلقى أحدا إِلَّا قَتله قَالَ ابْن اسحاق وَقَاتل مُصعب بن عُمَيْر دون رَسُول الله ﷺ حَتَّى قتل وَكَانَ الَّذِي قَتله ابْن قميئة اللَّيْثِيّ وَهُوَ يَظُنّهُ رَسُول الله ﷺ فَرجع إِلَى قُرَيْش فَقَالَ قتلت مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمَّا قتل مُصعب أعْطى رَسُول الله ﷺ الرَّايَة عليا وَقَالَ ابْن سعد قتل مُصعب فَأخذ اللِّوَاء ملك فِي صُورَة مُصعب وَحَضَرت الْمَلَائِكَة الْهَزِيمَة لَا شكّ فِيهَا قَالَ وصرخ صارخ يَعْنِي لما قتل مُصعب بن عُمَيْر أَلا إِن مُحَمَّدًا ﷺ قد قتل قَالَ الرَّاوِي فانكفأنا وانكفأ الْقَوْم علينا بعد أَن أصبْنَا أَصْحَاب اللِّوَاء حَتَّى مَا يدنوا مِنْهُ أحد من الْقَوْم قَالَ ابْن سعد فَلَمَّا قتل أَصْحَاب اللِّوَاء انْكَشَفَ الْمُشْركُونَ منهزمين لَا يلوون وَنِسَاؤُهُمْ يدعونَ بِالْوَيْلِ وتبعهم الْمُسلمُونَ يضعون السِّلَاح فيهم حَيْثُ سَارُوا وَثَبت أَمِير الرُّمَاة عبد الله بن جُبَير فِي نفر يسير
[ ٢٩٤ ]
دون الْعشْرَة مَكَانَهُ وَانْطَلق بَاقِي الرُّمَاة يتبعُون الْعَسْكَر وَحمل خَالِد بن الْوَلِيد وتبعة عِكْرِمَة بن أبي جهل وحملوا على من بَقِي من الرُّمَاة فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا أَمِيرهمْ عبد الله بن جُبَير وانتفضت صُفُوف الْمُسلمين ونادى إِبْلِيس أَن مُحَمَّدًا ﷺ قد قتل وَاخْتَلَطَ الْمُسلمُونَ فصاروا يقتلُون على غير شعار وَثَبت رَسُول الله ﷺ يَرْمِي عَن قوسه حَتَّى صَار شظايا وَيَرْمِي بِالْحجرِ وَثَبت مَعَه عِصَابَة من أَصْحَابه أَرْبَعَة عشر رجلا سَبْعَة من الْمُهَاجِرين فيهم أَبُو بكر الصّديق وَسَبْعَة من الْأَنْصَار حَتَّى تحاجزوا وروى البُخَارِيّ لم يبْق مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا اثْنَي عشر رجلا قَالَ أَبُو طَلْحَة وَكَانَ يَوْم بلَاء وتمحيص أكْرم الله فِيهِ من أكْرم بِالشَّهَادَةِ من الْمُسلمين حَتَّى خلص الْعَدو إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ ابْن اسحاق فَحَدثني حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك قَالَ كسرت ربَاعِية النَّبِي ﷺ يَوْم أحد وشج وَجهه فَجعل الدَّم يسيل على وَجهه فَجعل يمسح الدَّم وَيَقُول كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى رَبهم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ وَذكر ابْن اسحاق قَول النَّبِي ﷺ حِين سمع الصَّارِخ يصْرخ بقتْله هُوَ إزب الْعقبَة هَكَذَا قيد فِي هَذَا الْمَوْضُوع بِكَسْر الْهمزَة وَإِسْكَان الزَّاي وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ
قَالَ السُّهيْلي وَيُقَال للموضوع الَّذِي صرخَ مِنْهُ الشَّيْطَان جبل عينين وَلذَلِك قيل لعُثْمَان أفررت يَوْم عينين وعينان أَيْضا بلد عِنْد الجيزة وَبِه عرف خُلَيْد بن عينين الشَّاعِر قَالَ ابْن هِشَام وَوَقع رَسُول الله ﷺ لما أُصِيب فِي حُفْرَة من الْحفر الَّتِي عَملهَا أَبُو عَامر فَأخذ عَليّ ابْن أبي طَالب بيد رَسُول الله ﷺ وَرَفعه طَلْحَة بن عبيد الله حَتَّى اسْتَوَى قَائِما ومص مَالك بن سِنَان الْخُدْرِيّ وَالِد أبي سعيد الدَّم من وَجهه ثمَّ أزدرد دَمه ﷺ وَعَن عِيسَى بن صلحة عَن عَائِشَة ﵂ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَن أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح نزع إِحْدَى الحلقتين من وَجه رَسُول الله ﷺ فَسَقَطت ثنيته ثمَّ نزع الْأُخْرَى فَسَقَطت ثنيته الْأُخْرَى فَكَانَ سَاقِط الثنيتين قَالَ ابْن اسحاق وَكَانَ أول من عرف رَسُول الله ﷺ بعد الْهَزِيمَة وَقَول
[ ٢٩٥ ]
النَّاس قتل رَسُول الله ﷺ كَمَا ذكر ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ كَعْب بن مَالك قَالَ عرفت عَيْنَيْهِ يزهران من تَحت المغفر فناديت بِأَعْلَى صوتي يَا معشر الْمُسلمين أَبْشِرُوا هَذَا رَسُول الله ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ أَن اسْكُتْ فَلَمَّا عرف الْمُسلمُونَ رَسُول الله ﷺ نهضوا بِهِ ونهض مَعَهم نَحْو الشّعب وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر والْحَارث بن الصمَّة فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الشّعب خرج عَليّ حَتَّى مَلأ درقته من المهراس فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ ليشْرب مَه فَوجدَ لَهُ ريحًا فعافه وَلم يشرب مِنْهُ وَغسل عَن وَجهه الدَّم وصب على رَأسه وَهُوَ يَقُول اشْتَدَّ غضب الله على من أدْمى على وَجه نبيه وَذكر عمر مولى غفرة أَن النَّبِي ﷺ صلى الظّهْر يَوْم أحد قَاعِدا من الْجراح الَّتِي أَصَابَته وَصلى الْمُسلمُونَ خَلفه قعُودا وَلما أنصرف أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه نَادَى أَن مَوْعدكُمْ بدر للعام الْقَابِل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لرجل من أَصْحَابه نعم هُوَ بَيْننَا وَبَيْنكُم موعد
تَعْلِيق وَبَيَان
قلت غَزْوَة أحد فِي شَوَّال فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة وَأما غَزْوَة بدر الْموعد فَفِي ذِي الْقعدَة فِي السّنة الرَّابِعَة وَهِي الْغَزْوَة الصُّغْرَى من غزوات بدر وَهِي ثَلَاث
الأولى فِي ربيع الأول فِي السّنة الثَّانِيَة وتعرف بغزوة طلب كرز ابْن جَابر وَكَانَ أغار على سرح النَّبِي ﷺ
وَالثَّانيَِة وَهِي الْعُظْمَى فِي شهر رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة أَيْضا
وَالثَّالِثَة هِيَ الصُّغْرَى الْمَذْكُورَة نقل ذَلِك شَيخنَا الْعَلامَة أَبُو الْحسن المارديني الْحَنَفِيّ فِي مُخْتَصر السِّيرَة ﵁
[ ٢٩٦ ]