قال الله تعالى:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
لا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين، وفي قلوبهم غل عليهم. وهذا يفتض مذهب الرافضة.
ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل السنة الذين يتولون وإخراج الرافضة من ذلك.
وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر قال: حدثنا عبد الله بن زيد، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قدمت، ثم قرأ:
_________________
(١) سورة الحشر الآيات: (٨- ١٠) .
[ ٧٧ ]
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ فقد مضت منزلتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم، ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبي؛ ولهذا لم يجعل الله تعالى في الفيء نصيبًا لمن بعدهم إلا الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
_________________
(١) ج (١) ص (٢٠٤، ٦ - ١٠) .
[ ٧٨ ]
الكلام في أعراض الصحابة أشد من الكلام في غيرهم
بغيْبَةٍ أو كذب
كلام الذام للخلفاء ولغيرهم من الصحابة من رافضي وغيره هو من باب الكلام في الأعراض، وفيه حق لله تعالى لما يتعلق به من الولاية والعداوة والحب والبغض.
وفيه حق للآدميين أيضًا.
ومعلوم أنَّا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة مثل الملوك المختلفين على الملك والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل لا بجهل وظلم؛ فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال، وأصحاب رسول الله - ﷺ - أحق من عدل عليهم في القول والعمل.
والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه والثناء على أهله ومحبتهم. والظلم مما اتفق على ذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم.
والرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق فوالوا بعضهم وغلوا فيه، وعادوا بعضم وغلوا في معاداته.
وقد يسلك كثير من الناس ما يشبه هذا في أمرائهم وملوكهم وعلمائهم وشيوخهم فيحصل بينهم رفض في غير الصحابة- تجد أحد الحزبين يتولى فلانًا ومحبيه ويبغض فلانًا ومحبيه، وقد يسب ذلك بغير حق، وهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه ورسوله فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي
[ ٧٩ ]
شَيْءٍ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٤) .
فمن آذى مؤمنًا حيًا أو ميتًا بغير ذنب يوجب ذلك فقد دخل في هذه الآية. ومن كان مجتهدًا لا إثم عليه فإذا آذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب. ومن كان مذنبًا وقد تاب من ذنبه أو غفر له بسبب آخر بحيث لم يبق عليه عقوبة فقد آذاه بغير ما اكتسب وإن حصل له بفعله مصيبة
كما يذكر عن بعض الرافضة أنه آذى الله ورسوله بسبب تقديم الله والرسول لأبي بكر وعمر.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: (١٥٩) .
(٢) سورة آل عمران الآيتان: (١٠٢، ١٠٣) .
(٣) سورة آل عمران الآيتان: (١٠٥، ١٠٧) .
(٤) سورة الأحزاب آية: (٥٨) .
[ ٨٠ ]
وعن بعضهم أنهم كانوا يقرءون شيئًا من الحديث في مسجد النبي - ﷺ - فأتوا على فضائل أبي بكر فلما سمعها قال لأصحابه: «تعلمون والله بلاؤكم من صاحب هذا القبر يقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس» (١)
_________________
(١) ج (٣) ص (٣٣، ٣١) .
[ ٨١ ]