ما قدمنا من الأدلة النقلية هي خلاصة ما يجب الاعتماد عليه في إثبات اجتهاد الرسول - ﷺ - لأنها وقائع ثبتت بطرق صحيحة متصلة كثيرة لا يمكن العدول عنها وتركها من أجل تخرصات وتخيلات عقلية لا يسندها دليل ثابت، ومع ذلك أورد الجمهور أدلة عقلية لإثبات اجتهاد الرسول - ﷺ - من أظهرها ما يلى:
١ - أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، وزيادة المشقة سبب لزيادة
الثواب لقوله - ﷺ - لعائشة في عمرتها فيما يرويه الدارقطني والحاكم:
" أن لك من الأجر على قدر نصبك ونففتك " فلو لم يكن الرسول ﵊ عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به للزم اختصاص أمته بفضيلة ليست له - ﷺ - في هذا الشأن. وهو ممنوع فكذلك القول بعدم جواز اجتهاده ممنوع.
٢ - أن النبي - ﷺ - على علم تام بمعاني النصوص وملاحظة إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لسلامة نظره وبعده عن الخطأ، والإقرار عليه، وهذا يرجح إثبات الحكم في الفرع ضرورة فلو لم يقض به لكان تاركًا لما ظنه حكم الله تعالى على بصيرة منه وهو حرام بالإجماع.
[ ١٠٥ ]
واعترض على هذا بأن عمل الرسول - ﷺ - بالاجتهاد لا يكون إلا عند عدم معرفة الحكم بالوحي. وهذا الشرط لا يتبين في حقه - ﷺ - فلا مشروط.
ويجاب عنه بأن هذا الشرط يمكن تبينه بالقرائن والأمارات التي تدل على الاجتهاد، كما يمكن تبينه بجواز الخطأ في الحكم بالاجتهاد بخلاف ما كان عن وحي فلا يحتاج إلى قرائن وأمارات ولا يمكن وقوع الخصأ فيه.
وقالت طائفة: يجوز له - ﷺ - الاجتهاد فيما يتعلق بالحروب دون غيرها من الأحكام الشرعية.
ولا شك أن المراد بالحروب هنا الجهاد في سبيل الله تعالى وهو أمر ديني قطعًا لأن الرسول - ﷺ - لم يجاهد الكافرين لطلب شيء من الدنيا وإنما قاتلهم في سبيل الله وإعلاء لدينه فاستثناؤه من الأحكام الشرعية مما لا يظهر له وجه إلا على رأي من يقول: " أن الحروب قائم أمرها على الفورية فلا تحتمل التأخير لا يترتب على التأخير من مفاسد يجب دفعها بالاجتهاد ". وهذا لا يخرجها عن كونها أمرًا شرعيًا.
[ ١٠٦ ]
وقد اتفقت جميع الطوائف على جواز الاجتهاد له - ﷺ - في أمور الدنيا، ونص على هذا الاتفاق النووي في شرح صحيح مسلم، وذكره الشوكاني في إرشاد الفحول بلفظ الإجماع عن سليم الرازي وابن حزم.
[ ١٠٧ ]