وفي الآثار عن الصحابة - ﵁ - ما يؤيد التفرقة بين الذنوب فجعل منها صغائر وكبائر، فعن أنس - ﵁ - قال: " لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا - ﷿ - ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، يقول الله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). وذكره ابن كثير -في تفسيره- مرفوعًا عند البزار.
وعنه قال: " ما لكم والكبائر وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر "
وقد عددت بعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم الكبائر، فعن علي - ﵁ - قال: " الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر،
[ ٦١ ]
وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة ":
وقد روي مرفرعًا في عدد مما ذكره.
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: " الكبائر الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله ".
والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين كثيرة تفوق الحصر، وما أوردناه أمثلة لبعض ما ورد عنهم في ذلك فلا يمكن العدول عن هذه النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال السلف في التفرقة بين الذنوب يجعل بعضها صغائر، وبعضها كبائر وتأويلها بالتعسف إلى ما يفيد أنه لا صغيرة من الذنوب إذ الأخذ بصريح الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة وآثار جمهور الصحابة والتابعين الدالة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر خير من تأويلها بما ينبو عنه ظاهرها وأسلم من ثنيها عن دلالتها.
قال النووي: " وذهب الجماهير من السلف، والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة
[ ٦٢ ]
واستعمال سلف الأمة وخلفها ".
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله:. " انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء ".
وقال الغزالي: " إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه وقد عرفتا من مدارك الشرع ".
* * *