الحال الأول: حينما فجأه الوحي بالرسالة والأمر بتبليغها إلى الخلق في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢». وهي أول آية نزلت بالإنذار العام، وقد وجد رسول الله - ﷺ - نفسه وحيدًا في هذا الشأن، وليس معه أحد على مثل ما طلب منه فاستعظم على نفسه إخراج الناس مما هم فيه من كفر وضلال إلى الهدى والنور، فضاق صدره الشريف الطاهر ذرعًا، وتهيب أن يواجه الناس بالتبليغ خشية أن يكذبوه، ويردوا عليه رسالته، فصمت، ولم يسارع إلى أمر الله بالإنذار، فإن ما كلف به من
[ ١٢٥ ]
مواجهة الناس بأن يعبدوا الله إلهًا واحدًا ويتركوا ما ألفوه هم وآباؤهم من عبادة الآلهة المتعددة لأمر جلل في معيارهم الفكري، وعرفهم الجاهلي تنخلع له قلوبهم، يهبون لرده عن بكرة أبيهم ذودًا عن كيانهم، وإبقاء على معتقدهم القديم.
فليس من اليسير إذن مواجهتهم حالًا بما يكرهون، إذ الإقدام على ذلك -دون تريث وأعمال فكر في أنجع السبل التي تكفل ولو في ظاهر الحال حسن استجابتهم- قد يكون سببًا لصدودهم عنه وعدم قبولهم منه وذلك معناه الاستهداف لسهامه، والتعرض لغضبهم، والوقوع في نقمتهم.
في ظل هذا الموقف تريث رسول الله - ﷺ - في إبلاغ قومه، وصمت، ولعله في ذلك كان يتلمس أفضل السبل التي يمكنه بها إبلاغ ما أمره الله به إليهم بسبيل تكون أقرب إلى الاستجابة فنزل عليه جبريل - ﵇ - فأمره أن يسرع إلى تبليغ أمر ربه، وإلا تعرض لعذابه، روى الإمام البخاري -في كتاب " خلق أفعال العباد "-. عن أبي الأحوص عن أبيه قال: " أتيت النبي - ﷺ -، فصعد في النظر وصوب، قلت: إلى م تدعو؟ وعم تنهى؟ قال: " لا شيء إلا الله والرحم " قال: " أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعًا، ورأيت أن الناس سيكذبونني فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك ".
[ ١٢٦ ]
قال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وأصله في السنن، وصححه ابن حبان والحاكم ".
وفي صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: " رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ".
وأخرج ابن راهويه في مسنده - كما ذكره الآلوسى في روح المعاني من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعًا، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت ".
قال القرطبي في تفسيره: ": قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية " أي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
قال السيوطي: " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي - ﵁ - قال:
[ ١٢٧ ]
" لما نزلت هذه الآية على رسول الله - ﷺ - (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: " يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا، وعرفت أني مهما أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم ْتفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ".
وروى البيهقي في الدلائل عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن الله
تعالى لما أمر نبيه - ﷺ - بأن يعلم الناس نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان
به كبر عليه ذلك وخاف التكذيب، وأنْ يتناول، فنزل عليه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني " فأنزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)
[ ١٢٨ ]
وزاد الآلوسي -في روح المعاني- إسناده إلى ابن حبان في تفسيره.
قال السيوطي: " وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد " قال: لما نزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) قال رسول الله - ﷺ -: " يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع على الناس " فنزلت (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
كان نزول هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) باعثًا قويًا في تجديد عزيمة رسول الله - ﷺ - وتقوية إرادته على تبليغ رسالته، ودافعًا قويًا على الامتثال مهما لاقى في سبيل ذلك من شدائد وأزمات لما في الأمر من وجوب التبليغ ولما في خطاب الآية من الشدة عليه.
* * *