والحرج في اللغة هو الضيق الشديد الذي لا يوجد معه في الصدر منفسح، مأخوذ من قولهم " حرجة للشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة " قال أبو زيد: " سميت بذلك لالتفافها وضيق المسلك فيها ".
قال الزجاج في معاني القرآن: " الحرج في اللغة أضيق الضيق " وقال ابن الأثير -في النهاية-: " الحرج في الأصل الضيق ".
وقد اختلف المفسرون في المراد بالحرج في الآية الكريمة، فذهب كثير منهم إلى أن المراد بالحرج في الآية الكريمة معناه اللغوي: وهو الضيق الشديد.
[ ١٤٣ ]
وذهب غيرهم إلى أن الحرج في الآية معناه الشك. وهذا معنى مجازي للحرج. ثم بيّن القائلون بأن الحرج معناه الشك -لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه- وجهتهم بيد أن عباراتهم اختلفت في المشكوك فيه فقال فريق: " لا تشك في أنه منزل من الله ". وقال فريق: " لا تشك في لزوم الإنذار به ". وقال آخرون: " لا تشك في عدم القدرة على القيام بأدائه وتبليغه ".
ولا وجه للصيرورة إلى المعنى المجازي في الآية مع إمكان المعنى اللغوي الحقيقي فيها، إذ الأخذ بالمعنى الحقيقى للكلمة هو الأصل ولا يعدل عنه إلا لقرينة مانعة من الأخذ به، فما بالك والمعنى في هذه الآية يحتم الأخذ بالحقيقة، لأن الرسول - ﷺ - معصوم من الشك على أي من الوجهين المذكورين في أن القرآن من عند الله أو في عدم لزوم الإنذار به.
ولعل هذا هو مراد أبي حيان في البحر من قوله -بعد أن أورد القول بتفسير الحرج بالشك-: " وهو تفسير قلق " وهو بلا ريب أحرى بهذا الوصف وأكثر منه.
[ ١٤٤ ]
وليس معنى هذا امتناع أن يراد معنى مجازي للحرج يليق بمقام الآية كتفسير من فسر الحرج بالخوف من التكذيب، لأن هذا الخوف مع متعلقاته لازم من لوازم ضيق الصدر الطبعي ولا تمنع منه العصمة.
وليس في روايات ترتيب السور، ولا في أسباب النزول ما يقطع بوقت نزول سورة الأعراف في مكة، والمعهود أن السورة ولا سيما الطول من القرآن لا تنزل آياتها دفعة واحدة، ولم يقل ذلك إلا في الأنعام، فالاحتمال قائم على أن مطلع سورة الأعراف -ومنه الآية التي هي موضع البحث هنا- من أوائل ما نزل من القرآن الكريم بعد الآيات التي قطعت الروايات الصحيحة بأنها أول ما نزل من القرآن العظيم كآيات أوائل سورة " اقرأ " وأوائل سورة " المدثر ".
والنظر في الآية التي معنا يفيد -بما احتف به من قرائن كثيرة وما جاء من روايات قدمنا ذكرها وتحقيق ما فيها من ضيق صدر رسول الله - ﷺ - في مطلع هذا البحث - أن هذه الآية مما نزل في أوائل الأمر بالإنذار العام- أي في الوقت الذي كان يعتري رسول الله - ﷺ - فيه ضيق صدره من تبليغ ما أنزل إليه، لأن النهي عن الحرج في الآية يقتضي أن يكون واردًا على سبب اقتضاه.
والذي دلت عليه الروايات التي يمكن أن تكون تفسيرًا هذه الآية هو أن رسول الله - ﷺ - لما أعلم أنه رسول الله إلى الناس وأن عليه أن يبلّغ رسالة الله إلى خلقه منذرًا بها، وداعيًا إليها، وهاديًا إلى أحكامها وشرائعها ضاق بها ذرعًا، وتهيب مواجهة الناس بما أنزل إليه فصمت ولم يسرع إلى التبليغ، فنزل عليه جبريل - ﷺ -، وأخبره أنه إن لم يبلغ أمر ربه عرّض نفسه لعذابه.
[ ١٤٥ ]
وسبق أن أوردنا من الأدلة على هذا ما فيه الكفاية.
وليس بدعًا أن يخاف رسول الله - ﷺ - قومه، وإعراضهم عن دعوة الحق التي بعثه الله بما، وفيهم من المكر والخديعة ما وصفهم الله تعالى به بقوله (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) وقد كان من الرسل من أولى العزم قبله من كان يخاف تكذيب قومه لشدة ما كان يتوقعه منهم من تكذيب وأذى، كما حكى الله تعالى ذلك عن سيدنا موسى ﵊ بقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).
* * *