وقد عالج القرآن الكريم مقامات الكلام وأساليبه بحسب موضوعاتها فنرى اختلاف الأساليب المكية التي جاءت لإثبات العقيدة والبرهنة عليها ومجادلة المخالفين لها -في الأعم الأغلب- عن أساليبه في السور المدنية التي جاءت -في أكثر أحوالها ومناسباتها- لبيان الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية، والصفات الخلقية، وأحوال المجتمع السياسية، وأصول الحكم وغير ذلك.
ففي السور المكية نلمح شدة الأسلوب وقوة الأسر في العبارات وقصر الفقر والآيات، ونزولها على نحو من الاتساق النظمي ليكون مدخلًا لها إلى القلوب.
ونرى في السور المدنية هدوءًا في التعبير، وتفصيلًا في بيان الأحكام والشرائع.
[ ١١٠ ]
ومن ثم نرى هذا الاختلاف في أسلوب آيات التربية الإلهية للنبي - ﷺ -، فهي في الآيات المكية تحمل في طياتها قوة صارمة وتوجيهًا بليغًا، وذلك لحفز عزيمة النبي - ﷺ -، وتقوية إرادته أمام مصادمة العناد الكافر ومجادلة الشرك والوثنية.
وفي الآيات المدنية تأتي آيات التربية للنبي - ﷺ - وادعة هادئة موجهة كأنما هي سلاسل من العطف، والحنو الدافع إلى الامتثال.
وعلى هذا الأساس نجد أن آيات التربية والعتاب للنبي - ﷺ - وما يجري مجراها مما جاء للنضح عن النبي - ﷺ - والدفاع عنه تجري في هذا المجرى فنجد مثلًا في سورة الحاقة وهي مكية قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦». وفي سورة الإسراء وهي مكية أيضًا نجد قوله تعالى: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥). ونجد في مفتتح سورة عبس هذا اللون التربوي بأجلى صورة.
بينما نجد في سورة التوبة -وهي مدنية- قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وفي مفتتح سورة التحريم -وهي مدنية أيضًا- نجد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١).
[ ١١١ ]
فافتتاح الآية بهذا الاستفهام المتلطف في التقرير وختمها بقوله (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) غاية في التلطف بالنبي - ﷺ -.
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن أسلوب الآيات التربوية يجري في نسق الآيات المكية بما فيها من القوه والشدة، ونجد أسلوب آيات التربية والعتاب يجري في نسق السور المدنية بما فيها من لين الجانب ووداعة الأسلوب والتوجيه.
* * *