ويدل على ذلك صراحة كلام ابن فارس الذي سبق أن عرضناه في أن حروف (عصم) وهي العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة، وما نص عليه الأزهري في التهذيب وابن منظور في اللسان من أن المنع أصل معنى العصمة في كلام العرب.
[ ٢٥ ]
وعلى هذا المعنى دار كلام حذاق المفسرين، والأثريين.
قال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى - في تفسيره لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال: " وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصمه والممتنع معتصم به "، ومنه قول الفرزدق:
أنا ابن العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحدثان نابا
وقال في تفسيره لقول الله تعالى (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ):
" أي يمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة وهو ما توكأ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر:
وقلت عليكم مالكا إن مالكا سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
أي يمنعكم ".
[ ٢٦ ]
وقال تفسيرًا قوله تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ): " يقول سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء
فيمنعني منه أن يغرقني. ويعني بقوله (يَعْصِمُنِي) يمنعني مثل عصام القربة الذي يشد به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها ".
وفي قول الله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) قال: " من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءًا في أنفسكم.
وفسر (العاصم) بالمانع في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) وقوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) وقوله تعالى (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ).
فكلام هذا الإمام - رحمه الله تعالى - يدل على أن مادة (عصم) في القرآن الكريم حيثما وردت بشتى تصريفاتها تدور على المنع والامتناع وهو أصلها في الوضع اللغوي.
[ ٢٧ ]
وما قيل في بعض المعاجم -ضمن المعاني اللغوية- من تفسير العصمة بالحفظ والوقاية ليس معنى لغويًا أصيلًا لها، بل سرى إليها لشدة المقاربة والتلازم بين معنى الحفظ والوقاية ومعنى المنع والامتناع وكأنهما متلازمان.
وهذا ما يعتذر به عمن ذكر الحفظ على أنه معنى لغوي للعصمة.
* * *
[ ٢٨ ]