وأيضًا فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما في أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ والتحريض عليه والتوعد على التقصير فيه يتنافى مع ما كان عليه
[ ١٣٩ ]
رسول الله - ﷺ - في المدينة من عزة ومنعة مكنته من الوفور على التبليغ ونشر الدعوة بقوة ونقلها إلى خارج المدينة التي هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها. بل كيف يتأتى القول أن تترك عليه آية العصمة من الناس في المدينة وهو للعصمة أحوج في مطلع الرسالة منه إليها في آخرها وسورة " المائدة من آخر القرآن تنزيلًا ".
وتأييده - ﷺ - في المدينة بالمؤمنين ظاهر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فلا معنى لإخباره -على القول بمدنية آية العصمة من الناس- بعصمته من الناس وقد عرفه قبلًا أنه مؤيد بنصره وبالمؤمنين.
وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله - في بعث أبي طالب حراسًا مع رسول الله - ﷺ - - بأن " هذه الآية مدنية وهذا الحديث يقتضي أنها مكية " غير مسلم لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلًا سوى ما يظهر من أنها موجودة في نظم التلاوة في سورة مدنية.
ووجود الآية في سورة مدنية لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيرًا من الآيات المكية وضعت توقيفًا منه - ﷺ - في سور مدنية وكثيرًا من الآيات المدنية وضعت توقيفًا في سور مكية.
[ ١٤٠ ]
وبهذا أيضًا يرد على القرطبي فيما ذهب إليه من أن حديث ابن عباس - ﵄ - -الذي سبق أن سقناه- يقتضي مكية هذه الآية والسورة مدنية بإجماع. فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.
ودعوى أبي حبان في البحر أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنه في قصة اليهود والنصارى - في مسلمة أيضًا لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها في المعنى متسقة في الربط والتناسب لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات إذ كثيرًا ما تكون الآية مكية لكنها مناسبة لمعاني آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفًا من رسول الله - ﷺ -.
وبهذا البيان الذي صور حالة الرسول - ﷺ - في مطلع رسالته وموقف أعدائه المشركين منه ومن دعوته وانتصابهم لإيذائه وإيذاء أصحابه وإقامة العوائق أمامه في دعوته وما كان يضيق به صدره الشريف -بما ينزل عليه من آيات تعيب المشركين وتسفه أحلامهم، وأحلام آبائهم وتعيب آلهتهم- من أمره بتبليغ رسالته مهما يكن فيها من شدة على المشركين يفهم ما جاء في آيات وصفت ضيق صدره - ﷺ - بما أنزل إليه من ربه ونهيه عن هذا الضيق وهي التي أطلقنا عليها آيات عتاب التوجيه.
[ ١٤١ ]