كما صدرت بـ (لعل) الدالة على الإشفاق المتضمن لمحبة المشفِق -بكسر الفاء- للمشفَق عليه وتحذيره مما يلحقه من الرد عليه والاستهزاء به والإعراض عن دعوته، تلطفًا برسول الله - ﷺ - في (أنه بلغ من حاله في بذل الجهد في تبليغهم مثل حال من يرجون منه أن ييأس منهم فيترك بعض ما يوحى إليه) مما فيه تسفيه لأحلامهم، وسب لآلهتهم وعيب لآبائهم.
وهذه الآية تجري في شوط آية الأعراف -التي قدمنا الحديث فيها- من جهة أن فيها ذكرًا لضيق صدر رسول الله - ﷺ - ضيقًا بلغ من شدته أن يكون في حالة من يتوقع منه أعداؤه أن يترك بعض ما أنزل إليه لشدة ما بذل من جهد في الأداء دون أن يثمر فيهم.
وقد استروح ناصر الدين ابن المنير في انتصافه على الكشاف بآية هود هذه على تفسير الحرج بالضيق في آية الأعراف.
كما استروح إليه الألوسي -في روح المعاني فقال- بعد أن فسر الحرج بالضيق: " ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. . .) الآية ".
[ ١٥٠ ]
وهذا المعنى العام يجمع بين هاتين الآيتين آية سورة الأعراف وآية سورة هود هذه.
وهذا يقتضي مكية آية سورة هود هذه خلافًا لمن زعم أنها مدنية مخالفًا بذلك رأي الجمهور، وهو الذي يتمشى مع مبنى هذه السورة كلها في أنها من قبيل إرشاد الله تعالى نبيه - ﷺ - إلى كيفية الدعوة من مفتتح السورة إلى مختتمها كما صرح بذلك صاحب الكشف فيما نقله عنه الألوسي فِي روح المعاني.
وقد بينا ما اختصت به آية سورة الأعراف من تعليل النهي عن ضيق الصدر بالإنذار والتذكير، أما هنا في آية سورة هود هذه فنرى ضيق الصدر معللًا بأن المشركين أرادوا من رسول الله - ﷺ - أن يتطلع إلى زخارف الدنيا ليجذب بها قلوب المدعوين إلى الله، فكانوا يقولون لولا أنزل عليه كتر ينفق منه على دعوته ويجتذب به القلوب ويستغني به هو وأصحابه في كسب الأنصار، ويشتري به النفوس، ويستهوي به القلوب.
فإلم يكن معه كنز فليكن معه ملك يشهد برسالته وصدقه في دعوته.
وقد جاءهم الرد من الله تعالى على هذا التعنت، والعناد والمكابرة بالباطل ببيان مهمة الرسول - ﷺ -، وأنه في دعوته ورسالته ما هو إلا نذير الكافرين يخوفهم بطش الله تعالى وانتقامه، ويلفت نظرهم إلى ما وقع على أمثالهم من الأمم السابقة الذين أخذهم الله بذنوبهم فلم يترك لهم من باقية.
[ ١٥١ ]
وهذا الرد شبيه بالرد عليهم فيما تعنتوا به من مقترحات عنادية وطلب آيات لمحض التعنت والعناد، كما جاء في سورة الإسراء -بعد أن حكى الله تعالى ما طلبوه متعنتين- لقوله تعالى: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).
ثم بيّن لهم أن ما اقترحوه من آيات لم يقصدوا به الإيمان ولو قصدوه لكان في آية واحدة منه غنية عن جميع الآيات المقترحة وقد نزل عليهم القرآن، وتحداهم به، وقال الله تعالى في شأنهم: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) وإن إجابة هذه المقترحات ليس من شأن الرسول - ﷺ - ولا من مهمته وإنما هي من شأن الله تعالى الوكيل على النفوس، الحفيظ عليها، المحصي لأعمالها لمجازاتها في يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت.
ومن هنا جاء ختم هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) حاملًا رفع مسئولية إدخالهم في الهداية عن رسول الله - ﷺ - وتهديدًا قويًا، ووعيدًا شديدًا للكافرين الجاحدين لتوحيد الله الخارجين عن طاعة رسول الله - ﷺ.
* * *