فذهب بعض العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا صغيرة في الذنوب، فكل الذنوب عند هؤلاء كبائر، ولكن كبيرة دون كبيرة لتفاوت المخالفات في ذاتها، وفي آثارها فيقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنى وكلها كبائر ".
[ ٥٣ ]
فهولاء نظروا في المعاصي بالنسبة للمعصيِّ بها وهو الله تعالى، ولذلك قال إمام الحرمين: " المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة إذ لا تراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلي المعصيِّ بها، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو صور في حق ملك لكان كبيرة يضرب بها الرقاب ".
وكلام إمام الحرمين هذا يشعر بأن من الذنوب كبائر ومنها صغائر ولكنه لا يسمي الصغائر باسمها إجلالًا لحق المعصي بها.
ونسب القاضي عياض -في الشفاء والنووي في شرح مسلم والحافظ ابن حجر في الفتح- القول بهذا إلى طائفة من العلماء.
والقول بأن جميع الذنوب كبائر موافق لظاهر ما رواه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: " كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة "، ورواه عنه أيضًا من طريق آخر بلفظ " كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة ".
وقد توقف القرطبي في التسليم بصحة ذلك عن ابن عباس فقال: " ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله - ﷿ - عنه كبيرة، لأنه مخالف
[ ٥٤ ]
لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وقوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فجعل في المنهيات صغائر وكبائر وفرق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن ".
قال الحافظ ابن حجر: " ويؤيده (أي ما ذهب إليه القرطبي) ما ورد عن ابن عباس في تفسير اللمم، وهو ما أخرجه البخاري عنه أنه قال: " ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - ﷺ -: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه ".
* * *