أما الفئة الثالثة فتقول بعصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر.
ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - كما صرح به في الفقه الأكبر إذ قال: " الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الصغائر والكبائر " وأقر ذلك شارحه على القاري.
وأسند الشوكاني -في إرشاد الفحول- هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني نقلا عن ابن حزم في الملل والنحل.
وبالرجوع إلى الموضع الذي تكلم فيه ابن حزم على عصمة الأنبياء في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل لم نجد ذكرًا لأبي إسحاق
[ ٧٠ ]
الإسفرائيني فلعله ذكره في موضع آخر استطرادًا.
ويصحح إسناد هذا القول إلى أبي إسحاق نقل تاج الدين السبكى في جمع الجوامع هذا المذهب عنه.
وأسند عبد القاهر البغدادي هذا المذهب إلى أهل السنة في كتابه الفرق بين الفرق.
وفى قال بهذا القول أيضًا ابن حزم، وحكاه عن سائر الفرق الإسلامية، وعن ابن مجاهد شيخ الباقلاني، وابن فورك وقال: " وهذا الذي ندين الله تعالى به ".
واستدل على عصمتهم من " جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها " بقوله - ﷺ -: " ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".
[ ٧١ ]
ووجه استدلاله به " أن الإشارة بالعين أخف ما يكون من الذنوب ومن خلاف الباطن للظاهر " ومع ذلك لم يقدم عليها النبي - ﷺ -، بل أنكر - ﷿ - على من قال له: " ألا أومأت لنا بعينك " بقوله: " إنه لا ينبغى لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".
وممن صرح بالأخذ بهذا المذهب تاج الدين السبكي في جمع الجوامع حيث قال: " الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب -ولو صغيرة سهوًا- وفافًا للأستاذ، والشهرستاني، وعياض، والشيخ الإمام ".
وأسند السفاريني -أحد أئمة الحنابلة- هذا المذهب إلى الحافظ العراقي إذ نقل قوله " النبي - ﷺ - معصوم من تعمد الذنوب بعد النبوة بالإجماع. . . . وإنما اختلفوا في جواز الصغيرة سهوًا فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني والقاضي عياض، واختاره تقي الدين السبكي
[ ٧٢ ]
وهو الذي ندين الله تعالى به.
قال الشوكاني: " واختاره ابن برهان، وحكاه النووي في زوائد الروضة عن المحققين، قال القاضي حسين: وهو الصحيح من مذهب أصحابنا يعني الشافعية ".
وقال الفخر الرازي: " والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة، ولا الصغيرة "، وساق في تفسيره الكبير أدلة عقلية ونقلية على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب نذكر منها ما يلي:
١ - أنه لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء. . . في غاية الجلال والشرف وكل من كان كذلك، كان صدور الذنب عنه أفحش، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) والمحصن يرجم، وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالًا من الأمة فذلك بالإجماع.
[ ٧٣ ]
٢ - أن محمدًا - ﷺ - لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: (فَاتبِعُوني) فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال.
" وإذا ثبت ذلك في حق محمد - ﷺ -، ثبت في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق ".
وهؤلاء العلماء الأجلاء: -رحمهم الله تعالى- يحملون ما تفيده ظواهر النصوص من الكتاب والسنة من وقوع بعض الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -مما تمسك به القائلون بجواز الصغائر على الأنبياء- إما على صدوره منهم بتأويل قائم على الاجتهاد، فلا يكون ذنبًا أو أنه من قبيل خلاف الأولى.
والقائلون بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر كعصمتهم من الكبائر أعيان وكثيرون، ولا يتسع المجال لذكرهم وإيراد أقوالهم، وإنما رمنا ذكر أقوال طائفة منهم إشارة إلى القائلين بذلك.
وقد أورد القاضي عياض أدلة على القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر نسوق أهمها وأقواها:
قال: " واستدل بعض الإئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى (وجوب) امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وسيرهم مطلقًا، وجمهور
[ ٧٤ ]
الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة. . فقد علم من دين الصحابة -قطعًا- الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -، كيف توجهت، وفي كل فن كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه وخلعوا نعالهم حين خلع. . واحتج في واحد في غير شىء مما بابه العبادة، أو العادة بقوله: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله، والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها، لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها، ولو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا، ولنقل عنهم، وظهر بحثهم عن ذلك ".
لا جرم أن الصغائر -غير الخسية تختلف في أعيانها، وأشخاصها، وتتفاوت مراتبها بحسب ما يستتبعها من ملامة ونقص، فليس النقص الذي يلحق بالقُبلة -مثلًا- كالنقص الذي يلحق بالنظرة -وحاشا الأنبياء من ذلك كله- ولا واحدة منهما كخطرة تمر بالقلب، لا يصدقها القول أو الفعل، بل تجفل النفس عنها قبل أن تظلها، وينفر القلب منها قبل أن تنزل بساحته فيبقى القلب الشريف الطاهر بعيدًا عنها منزهًا منها، طاهرًا نقيًا لم تنزل به دغادغ اللمم ولا رفت عليه هبات الهنات.
* * *