مما سلف يظهر ما يلي:
١ - أن هذا الحديث مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، فهو متصل الإسناد مرفوع إليه - ﷺ - ولعله قد سقط من ابن حزم، أو من الناسخ بعده قوله (عن أبيه عن جده) وإلا لما حكم عليه بالصحة في كتابه.
٢ - أن هذا الحديث صحيح لما قاله الحاكم، ولموافقة الذهبي له على ذلك
[ ٤٤ ]
ولتصحيح القاري والشهاب لرواية البزار لهذا الحديث.
٣ - أن كلًا ممن ذكرنا من الأئمة الحفاظ أورد هذا الحديث مستدلًا به على عصمة الله تعالى لنبيه - ﷺ - قبل النبوة وحفظه إياه من جميع أعمال الجاهلية.
وأما قول الحافظ ابن كثير الذي سبق إيراده عنه في هذا الحديث فمردود من وجهين:
الوجه الأول: أن وصف الحديث بالغرابة ليس معناه رده في جميع الأحوال إذ من الغريب ما هو في الصحيح، ومتفق عليه كما هو معروف لأهل هذا الشأن.
وهذا الحديث الذي نحن بسبيل الكلام عليه حديث صحيح كما سبق أن بينا، فلا يسوؤه الوصف بالغرابة ما دام رجاله ثقات، ومتنه صحيحًا مقبولًا.
[ ٤٥ ]
الوجه الثاني: أن قوله (وقد يكون عن عليٍّ نفسه) حكم بالحدس لا يقوم على دليل، فلا تقوم به حجة، إذ أن رد الأحاديت -وبخاصة الصحيحة منها- لا يكون بفرض الاحتمالات، واتباع الرأي، بل لا بد أن يبني على دليل قائم، وقاعدة مسلمة.
ثم إن كلمات الحديث ولفظه وعبارته تدل على أنه من كلام رسول الله - ﷺ -، إذ أن الجملة التي استنكرها ابن كثير - رحمه الله تعالى - ورأى أنها مقحمة، مروية عند جميع الذين رووا الحديث -وهو واحد منهم- مضافة إلى رسول الله - ﷺ -، قولًا منه مؤكدًا بالقسم عليه منه - ﷺ -، بعدم الهم بشيء من أفعال الجاهلية، وقد أضاف رسول الله - ﷺ - إكرام الله - ﷿ - له بالنبوة، في روايات وبالرسالة كما في رواية البزار إلى ضمير المتكلم في قوله - ﷺ - " حتى أكرمني الله برسالته " وما كان لعلي - ﵁ - أن يضيف إلى رسول الله - ﷺ - ما لم يقله، لو لم يكن ينقل اللفظ النبوي الشريف، ويؤده كما سمعه من رسول الله - ﷺ -.
وقد صرح الراوي في رواية الحاكم وأبي نعيم وابن سيد الناس عند ذكره هذه العبارة بقوله: قال رسول الله - ﷺ -: " فوالله ما هممت بعدها أبدًا. . . الخ " وتصريح الراوي وإعادته لجملة (قال رسول الله - ﷺ - يدفع أيضًا ما قاله ابن كثير، ويؤكد أنَّهَا من قول رسول الله - ﷺ - وليست إقحامًا، ولا هي تحدثًا من علي - ﵁ - كما دخل على ابن كثير
[ ٤٦ ]
رحمه الله تعالى.
أما القاضي عياض -وهو ممن يقول بعصمتهم قبل النبوة وبعدها من الصغائر والكبائر- فنقل الأبي عنه -في إكمال إكمال المُعْلِم- قوله: " وفي حشو قلبه - ﷺ - حكمة وإيمانًا في الصغر دليل على ما يقوله المحققون من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الصغر.
وقال القسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها: " أنه - ﷺ - معصوم من الذنوب بعد النبوة وقبلها، كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها على الأصح في ظاهره وباطنه، سره وجهره، جده ومزحه، رضاه وغضبه "
ويفهم من صريح قولهم أن القول بعصمتهم من الكبائر والصغائر قبل البعثة هو مذهب المحققين من العلماء.
والحديث السابق برواياته، يشهد لقول القاضي عياض رحمه الله تعالى أن القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الصغائر والكبائر قبل النبوة هو مذهب المحققين.
[ ٤٧ ]