وبعد إتمام هذا الحديث حول رجوعه عن الاعتزال نقرأ بحثا ثانيا في صحة نسبة (الإبانة في أصول الديانة) إليه ردًا على بعض الأغمار الذين زعموا أنها مدسوسة عليه - وهذا هو بيت القصيد فنقول: وبالله نستعين.
قال الحافظ بن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري) ذكر ابن حزم الظاهري أن لأبي الحسن الأشعري خمسة وخمسين تصنيفًا، ثم قال: ترك ابن حزم من عدد مصنفاته أكثر من مقدار النصف، وبعد ذلك سردها فقال:
منها كتاب اللمع، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سمّاه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأسرار) .
ومنها تفسيره المختزن، وهو خمسمائة مجلد١ - على ما يزعم - لم يترك فيه آية تعلق بها بدعي إلا أبطل تعلقه بها، وجعلها حجة لأهل الحق، وبيّن المجمل وشرح المشكل ونقض فيه ما حرفه الجبائي والبلخي في تفسيريهما.
ومنها الفصول في الرد على الملحدين والخارجين على الملة كالفلاسفة والطبائعيين والدهريين وأهل التشبيه.
_________________
(١) ١ المجلد عندهم يطلق على الجزء المستقل وعلى كراس كبر أو صغر.
[ ٦٤ ]
ومنها مقالات المسلمين١ استوعب فيه جميع اختلافهم ومقالاتهم وذكرها الحافظ بن عساكر بأسمائها وموضوعاتها في كتابه التبيين من صفحة ١٢٨ إلى صفحة ١٣٦، وقد اطلعت أنا الجامع لهذه الرسالة على ثلاثة من الكتب المذكورة وهي مطبوعة: اللمع، والإبانة، والمقالات الإسلامية.
وقال ابن عساكر في صفحة ٢٨ من التبيين، وتصانيف أبي الحسن الأشعري بين أهل العلم مشهورة معروفة، وبالإجادة والإصابة للتحقيق عند المحققين موصوفة، ومن وقف على كتابه المسمى بالإبانة، عرف موضعه من العلم والديانة.
ثم قال في صفحة ١٥٢: فإذا كان أبو الحسن كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بدّ أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ونتجنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركًا للخيانة، لتعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سمّاه بالإبانة وذكر ما يأتي في آخر الرسالة إن شاء الله تعالى:
ثم قال في صفحة ١٧١ في جملة أبيات نسبها لبعض المعاصرين له:
لو لم يصنف عمره غير الإبانة واللمع
لكفى فكيف وقد تفنن في العلوم بما جمع
مجموعة تربى على المئتـ ين مما قد صنع
لم يأل في تصنيفها أخذًا بأحسن ما استمع
فهدى بها المسترشد ين ومن تصفحها انتفع
_________________
(١) ١ وقد عقد في المقالات فصلا بعنوان: (حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة) قال في آخره: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب". فراجعه إن شئت ج١ ص٣٢٠.
[ ٦٥ ]
تتلى معاني كتبه فوق المنابر في الجمع
ويخاف من إفحامه أهل الكنائس والبيع
فهو الشجا في حلق من ترك المحجة وابتدع
وممن عزا الإبانة إلى أبي الحسن الأشعري، الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي المتوفي سنة ٤٥٨ قال في كتابه (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد) في باب القول في القرآن صفحة ٣١، ذكر الشافعي ﵀ ما دل على أن ما نتلوه من القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا، ونكتبه في مصالحنا يسمى كلام الله ﷿، وأن الله ﷿ كلم به عباده بأن أرسل به رسوله ﷺ، وبمعناه ذكره أيضًا علي بن إسماعيل في كتاب الإبانة.
وقال في صفحة ٣٢ من الكتاب المذكور آنفًا: قال أبو الحسن علي بن إسماعيل في كتابه، يعني الإبانة:
"فإن قال قائل: تقولون أن كلام الله ﷿ في اللوح المحفوظ، قيل له نقول ذلك، لأن الله قال ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم، وهو متلو بالألسنة قال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ثم قال في صفحة ٢٦ بعد سرد الأدلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق:
وقد احتج علي بن إسماعيل الأشعري ﵀ بهذه الفصول"، اه من نسخة مخطوطة يرجع تاريخ خطها إلى سنة ١٠٨٦هـ١.
وممن ذكر الإبانة وعزاها لأبي الحسن الأشعري الحافظ المعروف بالذهبي،
_________________
(١) ١ وهي محفوظة لدى الأخ إسماعيل الأنصاري طبعت في مصر قريبًا.
[ ٦٦ ]
قال في كتابه (العلو للعلي الغفار) صفحة ٢٧٨: قال الأشعري في كتاب (الإبانة في أصول الديانة) له في باب الاستواء.
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟
قيل نقول إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى آخر ما في الإبانة.
ثم قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن الأشعري شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي.
وذكر الذهبي عن الحافظ أبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي أنه قال: قرأت في كتاب أبي الحسن الأشعري الموسوم بالإبانة أدلة على إثبات الاستواء. ونقل عن أبي علي الدقاق أنه سمع زاهر بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري ﵀ ورأسه في حجري فكان يقول شيئًا في حال نزعه. لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا. اه كلام الذهبي.
وممن نسبها إلى أبي الحسن الأشعري ابن فرحون المالكي قال في كتابه الديباج صفحة ١٩٣: إلى ص١٩٤ ولأبي الحسن الأشعري كتب منها كتاب اللمع الكبير، وكتاب اللمع الصغير، وكتاب الإبانة في أصول الديانة. اه.
وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري أبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩هـ.
قال في الجزء الثاني من كتابه، (شذرات الذهب في أعيان من ذهب) صفحة ٣٠٣، قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وهو آخر كتاب صنفه. وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه، ثم ذكر فصلًا كاملًا من الإبانة.
وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري السيد مرتضى الزبيدي.
[ ٦٧ ]
قال في (إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين) في الجزء الثاني صفحة ٢، قال: صنف أبو الحسن الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال (الموجز) وهو في ثلاث مجلدات، كتاب مفيد في الرد على الجهمية والمعتزلة، ومقالات الإسلاميين، وكتاب الإبانة.
وقد تقدمت الحكاية عن ابن كثير أن الإبانة هي آخر كتاب صنفه أبو الحسن الأشعري.
وممن ذكر أن الإبانة تأليف أبي الحسن الأشعري أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الشافعي١ قال في رسالته (الذب عن أبي الحسن الأشعري): اعلموا معشر الإخوان أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة، الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده وبه كان يدين الله ﷾ بعد رجوعه من الاعتزال بمن الله ولطفه، وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها وتبرأ إلى الله سبحانه منها وكيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها.
وروى وأثبت أنه ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين.
وأن ما فيه هو الذي يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهل يسوغ أن يقال: إنه رجع عن هذا إلى غيره فإلى ماذا يرجع أتراه يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة الحديث المرضيون وقد علم أنه مذهبهم، ورواه عنهم؟؟ !! هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين وكيف بأئمة الدين، أو هل يقال: إنه جهل الأمر فيما نقله عن السلف الماضين مع إفنائه جل عمره في استقراء المذاهب وتعرف الديانات، هذا مما لا يتوهمه منصف، ولا يزعمه إلا مكابر مسرف، وقد
_________________
(١) ١ المتوفى سنة ٦٠٥هـ.
[ ٦٨ ]
ذكر الإبانة واعتمد عليها وأثبتها عن الإمام أبي الحسن الأشعري وأثنى عليه بما ذكره فيها وبرأه من كل بدعة نسبة إليه، ونقل منها إلى تصنيفه جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام وأئمة القراء وحفاظ الحديث وغيرهم.
وذكر ابن درباس طائفة من الذين قدمنا ذكرهم وزاد الحافظ أبا العباس أحمد بن ثابت العراقي، وذكر عنه أنه قال في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: رأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي علو الله على العرش وتأويل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بالإبانة عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكرته على إثبات الاستواء، ومنهم الإمام الأستاذ الحافظ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني ذكر عنه أنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا بيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به، ويقول ما الذي ينكر علي من هذا الكتاب شرح مذهبه (هذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان) .
ومنهم إمام القراء أبو الحسن بن علي بن إبراهيم الفارسي ذكر الإمام أبا الحسن الأشعري رحمة الله عليه، فقال: وله كتاب في السنة سمّاه كتاب الإبانة صنفه ببغداد لما دخلها، وذكر ابن درباس أنه وجد كتاب الإبانة في كتب أبي الفتح نصر المقدسي ﵀ ببيت المقدس وقال: رأيت في بعض تآليفه في الأصول فصولًا منها بخطه.
ومنهم الفقيه أبو المعالي مجلي صاحب كتاب الذخائر في الفقه، قال ابن درباس أنبأني غير واحد عن الحافظ أبي محمد المبارك ابن علي البغدادي ونقلته أنا من خطه في آخر كتاب الإبانة قال نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه المجلي الشافعي أخرجها في مجلدة فنقلتها وعارضت بها وكان ﵀ يعتمد عليها وعلى ما ذكره فيها ويقول لله من صنفه ويناظر على ذلك من ينكره وذكر ذلك لي وشافهني به قال: هذا مذهبي وإليه أذهب نقلت هذا في سنة ٥٤٠هـ بمكة وهذا آخر ما نقلت من خط ابن الطباخ. وذكر فيمن عزاها
[ ٦٩ ]
إلى أبي الحسن أبا محمد بن علي البغدادي نزيل مكة قال ابن درباس شاهدت نسخة من كتاب الإبانة بخطه من أوله إلى آخره، وهي بيد شيخنا الإمام رئيس العلماء الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن بن المفضل المقدسي ونسخت منها نسخة، وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي ببيت المقدس ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس فأنكرها وجحدها وقال ما سمعنا بها قط ولا هي من تصنيفه واجتهد آخرًا في أعمال رويته ليزيل الشبهة بفطنته فقال بعد تحريك لحيته لعله ألفها لما كان حشويًا، قال ابن درباس فما دريت من أين أمريه أعجب أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في تصانيفه من العلماء أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه، واشتهاره قبل توبته من الاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها، فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه المثابة فكيف يكونون بحال السلف الماضين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والمحدثين وهم لا يلون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم وهم والله بذلك أجهل وأجهل كيف لا وقد قنع بعض من ينتمي منهم إلى أبي الحسن الأشعري بمجرد دعواه وهو في الحقيقة مخالف لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها قد ذهب صاحب التأليف إلى المقالة الأولى، وكان خلاف ذلك أحرى به وأولى لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة اه كلام ابن درباس ﵀.
وممن ذكر الإبانة ونسبها إلى أبي الحسن الأشعري تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشهير بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ، قال في الفتوى الحموية الكبرى صفحة ٧٠: قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة وذكر ما في أو كتاب الإبانة بحروفه وسيأتي ذكره إن شاء الله قريبًا.
وممن عزاها إلى أبي الحسن الأشعري شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي الدمشقي المتوفي
[ ٧٠ ]
سنة ٧٥١هـ قال في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية الطبعة الهندية صفحة ١١١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد بن حنبل كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها. ثم قال ابن القيم: وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كالحسن الطبري وأبي عبد الله بن المجاهد والقاضي أبي بكر الباقلاني متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وعلى إبطال تأويلها وليس للأشعري في ذلك قولان أصلًا، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين ولكن لاتباعه قولان في ذلك.
ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أولها في الإرشاد ورجع عن تأويلها في رسالته النظامية١ وحرمه، ونقل إجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز، ثم ذكر ابن القيم قول أبي الحسن الأشعري إمام الطائفة الأشعرية، ثم قال: نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه كالموجز والإبانة والمقالات.
وقال ابن القيم في قصيدته النونية التي سماها الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية الطبعة المصرية صفحة ٦٨:
والأشعري قال: تفسير استوى بحقيقة استولى من البهتان
هو قول أهل الاعتزال وقول اتبـ ـاع لجهم وهو ذو بطلان
في كتبه قد قال ذا من موجز وإبانة ومقالة ببيان
وقال في صفحة ٦٩ من الكتاب المذكورآنفًا:
وحكى ابن عبد البر في تمهيده وكتاب الاستذكار غير جبان
إجماع أهل العلم أن الله فو ق العرش بالإيضاح والبرهان
_________________
(١) ١ راجع ص٢٣ من النظامية مطبعة سنة ١٩٤٨ المعروفة بمطبعة الأنوار بالقاهرة تجد ما ذكره ابن القيم من رجوع الجويني إلى عقيدة السلف.
[ ٧١ ]
وأتى هناك بما شفى أهل الهدى لكنه مرض على العميان
وكذا علي الأشعري فإنه في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وإبانة ومقالة ورسائل للثغر ذات بيان
وأتى بتقرير استواء الرب فو ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى بتقرير العلو بأحسن التقر ير فانظر كتبه بعيان
قلت: هذه نقول الأئمة الأعلام التي تضمنت بالصراحة التي لا يتناطح عليها عنزان ولا يمتري فيها اثنان: إن كتاب الإبانة ليس مدسوسًا على أبي الحسن الأشعري كما زعمه بعض الأغمار من المقلدة بل هو من تواليفه التي ألفها أخيرًا واستقر أمره على ما فيها من عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية.
وبعد هذا رغبت أن أتحف القارئ بقطعة من عقيدة هذا الإمام التي رجع إليها وذكرها في إبانته، أذكرها بفصها ونصها ليظهر كل منصف قرأها بفهم أن أبا الحسن الأشعري تاب من التعطيل والتأويل كما أنه ليس بممثل بل هو مثبت ومعتقد كل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه أو أخبر به عنه نبيه ﵊ من غير تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل.
فأقول قال أبو الحسن الأشعري في إبانته (باب في إبانة قول أهل الحق والسنة):
فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا ﷿ وسنة نبينا ﵇، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون،
[ ٧٢ ]
لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ورفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم.
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله وما رواه الثقاة عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئًا.
وأن الله ﷿ إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ .
وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ .
وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ .
وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا.
وأن لله علمًا كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ .
ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
ونثبت أن لله قوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ونقول أن كلام الله غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له كن كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله.
[ ٧٣ ]
وأن الأشياء تكون بمشيئة الله ﷿ وأن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله ولا يستغني عن الله ولا يقدر على الخروج عن علم الله ﷿، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العبد مخلوقة لله مقدرة كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يُخلقون كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه﴾ وكما قال: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وكما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق﴾ وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وهذا في كتاب الله كثير، وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالآيات، كزعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين.
وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم.
وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره، حلوه ومره ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا.
وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بالله كما قال ﷿.
ونلجأ في أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه.
ونقول إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ.
ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة كما قال ﷿: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
وأن موسى ﵇ سأل الله ﷿ الرؤية في الدنيا، وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكا فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا.
[ ٧٤ ]
وندين بأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمور كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون.
ونقول إن كل من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبههما مستحلًا لها غير معتقد لتحريمهما كان كافرًا.
ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانًا.
وندين الله ﷿ بأنه يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله ﷿.
وأنه ﷿ يضع السموات على إصبع والأرضين على إصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ بالجنة.
وندين بأن لا ننزل أحدًا من أهل التوحيد والممسكين بالإيمان جنة ولا نارًا إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة.
ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.
ونقول إن الله ﷿ يخرج قومًا من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة الرسول ﷺ تصديقًا لما جاءت به الروايات عن الرسول صلوات الله عليه وسلم.
ونؤمن بعذاب القبر، وبالحوض.
وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله ﷿ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.
وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقاة عدل عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ.
وندين بحب السلف الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﵇ ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين.
[ ٧٥ ]
ونقول إن الإمام الفضل بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضوان الله عليه.
وإن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله ﷺ وسموه جميعهم خليفة رسول الله ﷺ.
ثم عمر بن الخطاب ﵁.
ثم عثمان بن عفان ﵁ وإن الذين قاتلوه، قاتلوه ظلمًا وعدوانًا.
ثم علي بن أبي طالب ﵁.
فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ وخلافتهم خلافة النبوة.
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بها، ونتولى سائر أصحاب النبي ﷺ ونكف عمّا شجر بينهم.
وندين الله بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.
ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول هل من سائل، هل من مستغفر، وبسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول إن الله ﷿ يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
وإن الله ﷿ يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ .
[ ٧٦ ]
ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وغيره. كما روي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج.
وإن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافًا لمن أنكر ذلك. ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة.
وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ.
ونؤمن بعذاب القبر ونكير ومنكر ومسائلتهما المدفونين بقبورهم. ونصدق بحديث المعراج.
ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام ونقر أن لذلك تفسيرًا.
ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم: ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرًا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم.
ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل، وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها عباده حلالًا وحرامًا وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويسلكه ويتخبطه خلافًا لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وكما قال: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ .
ونقول: "إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله ﷿ بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين أن الله يؤجج لهم في الآخرة نارًا ثم يقول لهم اقتحموها كما جاءت بذلك الرواية. وندين الله ﷿ بأنه يعلم ما العباد عاملون وإلى
[ ٧٧ ]
ما هم صائرون وما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين، ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعته ومجانبة أهل الهوى" انتهى بحروفه.
هذا مجمل عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري التي استقر أمره عليها بعد أن أقام على مذهب الاعتزال أربعين عامًا. ذكره في أول كتابه الإبانة وفصله بابًا بابًا فراجعها إن شئت تجد ما يشفي ويكفي.
فتأمل أيها الأخ المنصف هذه العقيدة ما أوضحها وأبينها واعترف بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحها وبينها وانظر سهولة لفظها فما أفصحه وأحسنه. وكن ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وتبين فضل أبي الحسن الأشعري واعرف إنصافه واسمع وصفه للإمام أحمد بن حنبل بالفضل والعلم لتعلم أنهما كانا في الاعتقاد متفقين وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين.
ولعمري أن هذه العقيدة ينبغي لكل مسلم أن يعتقدها ولا يخرج عن شيء منها إلا من في قلبه غش ونكد.
نسأل الله تعالى الثبات عليها ونستودعها عند من لا تضيع عنده وديعة. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على نبينا محمد معلم الخيرات وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تجزى فيه الحسنات.
[ ٧٨ ]