هو أول من أسلم
أول من آمن بالرسول باتفاق أهل الأرض أربعة: أول من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة. وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: «كنت جالسًا عند النبي - ﷺ - إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - ﷺ -: أما صاحبكم فقد غامر (٤)
_________________
(١) الذي جاء في الحديث المروي: «أما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» (منهاج ٢/٢٢١) . قلت: وهذا الحديث أخرجه الترمذي في مناقب أبي ذر برقم (٣٧٩٤) .
(٢) ولهذا قدمهم الله في القرآن على الشهداء والصالحين.
(٣) منهاج السنة (جـ٢/ ٢٢١، ٢٢٢) . وذكر ابن تيمية ﵀ (قاعدة في التفضيل) فقال: يجب أن يعلم أولًا أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل. أما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره. (مجموع الفتاوى ٤/ ٤١٤) .
(٤) غامر: خاصم أي دخل في غمرة الخصومة.
[ ١٨ ]
فسلم، وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي - ﷺ - فسلم عليه فجعل وجه رسول الله - ﷺ - يتمعر (١) حتى أشفق أبو بكر (٢) فجثى على ركبتيه فقال يا رسول الله: والله إنا كنت أظلم مرتين (٣) فقال النبي - ﷺ -: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله (٤) فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها» (٥) .
وفي رواية: «كانت بين أبي بكر وعمر محاورة (٦) فأغضبه أبو بكر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه. قال: وغضب النبي - ﷺ -» وفيه «إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (٧) .
فهذا يبين فيه أنه لم يكذبه قط، وأنه صدقه حين كذبه الناس طرًا، وهذا ظاهر في أنه صدقه قبل أن يصدقه أحد من الناس الذين بلغهم الرسالة.
_________________
(١) أي تذهب نضارته من الغضب.
(٢) أن يكون لعمر من الرسول ما يكره.
(٣) لأنه هو الذي بدأ.
(٤) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء.. ومواساته بنفسه وقايته في المخاوف كما يأتي في قصة الهجرة وغيرها.
(٥) لما أظهره النبي - ﷺ - من تعظيمه.
(٦) مراجعة.
(٧) والحديث في البخاري (ك ٦٢ ب٥، ك ٦٥ سورة ٧ ب ٣) .
[ ١٩ ]
والناس متنازعون في أول من أسلم فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق إسلامًا من علي، وقيل: إن عليًا أسلم قبله، لكن علي كان صغيرًا، وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء.
ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق، وأسبق على الإطلاق على القول الآخر.
وقال الشيخ في موضع آخر: وأما خديجة وعلي وزيد فهؤلاء كانوا من عيال النبي - ﷺ - وفي بيته. وخديجة عرض عليها أمره لما فاجأه الوحي وصدقته ابتداء قبل أن يؤمر بالتبليغ، وذلك قبل أن يجب الإيمان به، فإنه إنما يجب إذا بلغ الرسالة.
وعلي يمكن أنه آمن به لما سمعه يخبر خديجة وإن كان علي لم يبلغه. وقوله في حديث عمرو بن عبسة: «قلت يا رسول الله: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به» (١) موافق لهذا. أي: اتبعه من المكلفين المدعوين (٢) .