الصحبة، وفضلها، ومقاصدها وتبريزه فيها
الصحبة: اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها فيقال: صحبه ساعة، ويومًا، وجمعة، وشهرًا، وسنة، وصحبه عمره كله.
فضل صحبة النبي - ﷺ -:
ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب النبي - ﷺ -؟»، وفي لفظ: «هل فيكم من رأى رسول الله - ﷺ -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله - ﷺ -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم تغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله» وفي لفظ: «من صحب من صحب من صحب رسول الله - ﷺ -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم»، وفي لفظ: «فيذكر الطبقة الرابعة كذلك (٣) . فقد علق النبي - ﷺ - الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به. وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو
_________________
(١) رواه أبو داود في الزكاة (رقم ١٦٧٨) والترمذي في المناقب (رقم ٣٦٧٦) .
(٢) منهاج جـ٤/ ٤٥، ٢٨٩.
(٣) البخاري ك ٥٦ ب٧٦، مسلم ك ٤٤ ب٥٢. وفي رواية لمسلم «فيفتح لهم به» وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وددت أني رأيت إخواني، قالوا: يا رسول الله أولسنا إخوانك. قال بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني» ومعلوم أن قوله «إخواني» أراد به إخواني الذين ليسوا أصحابه، وأما أنتم فلكم مزية الصحبة. (منهاج جـ٤/ ٢٤٤) .
[ ٢٨ ]
كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه - ﷺ -» .
تبريز أبي بكر فيها:
والصديق في ذروة سنام الصحبة وأعلا مراتبها؛ فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات؛ فإنه لو أحصى الزمان الذي كان يجتمع فيه أبو بكر بالنبي - ﷺ - لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم. وأما المشترك فلا يختص به واحد.
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي - ﷺ - وتصديقه له فهو مبرز في ذلك على سائرهم تبريزًا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم. وأما من لا معرفة له فلا تقبل شهادته. وأما نفعه للنبي - ﷺ - ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها ويستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيها أحد، ويدل على ذلك حديث أبي الدرداء «وواساني بنفسه وماله» (١) .