فضل الله على النبيين بعضهم على بعض، وفضل الرسل على غيرهم، وأولو العزم أفضل من سائر الرسل، وكذلك فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على غيرهم، وكلهم أولياء الله، وكلهم في الجنة، وقد رفع الله درجات بعضهم على بعض.
وأمهات الفضائل: العلم والدين والشجاعة، والكرم. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم. ورأس الفضائل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
والأحاديث الصحيحة مع الدلائل الكثيرة المتعددة توجب علمًا ضروريًا لمن علمها أن أبا بكر كان أحب الصحابة إلى النبي - ﷺ -، وأفضل عنده من عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وكل من كان بسنة رسول الله - ﷺ - وأحواله أعلم كان بهذا أعرف، وإنما يستريب فيه من لا يعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة؛ فإما أن يصدق الكل، أو يتوقف في الكل فمن الأحاديث الصحيحة ما أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄، قال: «كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حي: أفضل أمة النبي - ﷺ - بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» (٢) . وروى الترمذي وغيره مرفوعًا عن علي ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «هذان سيدا كهول أهل الجنة (٣) من الأولين والآخرين لا تخبرهما يا
_________________
(١) سورة الزمر: ٩.
(٢) البخاري ك ٦٢ ب ٥ «كنا نخير بين الناس» البخاري ك٦٢ ب٤ «كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا» .
(٣) اعتبر ما كانوا عليه في الدنيا وإلا فليس في الجنة كهل. الطبيبي.
[ ٦٧ ]
علي» (١) . وفي الصحيح: أن جنازة عمر لما وضعت جاء علي بن أبي طالب يتخلل الصفوف، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كثيرًا ما كنت أسمع النبي - ﷺ - يقول: «دخلت أنا وأبو بكر، وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر، وعمر» (٢) . فهذا يبين ملازمتهما للنبي - ﷺ - في مدخله ومخرجه وذهابه. ولهذا قال مالك للرشيد لما قاله له: يا أبا عبد الله: أخبرني عن منزلة أبي بكر، وعمر من النبي - ﷺ - فقال: يا أمير المؤمنين منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته، قال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك.
وتواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا، وقد روى البخاري عنه في صحيحه من طريق الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي، حتى كان يقول:
لو كنت بوابًا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام
رواه البخاري من طريق سفيان الثوري وهو همداني، عن منذر وهو همداني، عن محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: «أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر. قال: قلت ثم من؟ قال: ثم عمر» (٣) . وهذا يقوله لابنه بينه وبينه وليس هو مما يجوز أن يقوله تقية،
_________________
(١) الترمذي جـ٤/ ٣١٠.
(٢) البخاري ك ٦٢ ب٥، ك ٦٢ ب٧، ومسلم (٣٣٨٩)، وخيثمة في «الصحابة» قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث عن علي من غير هذا الوجه، ورواه خيثمة وابن شاهين في السنة من طريق الحارث عن علي، ورواه ابن أبي عاصم في السنة من طريق خطاب أو أبي خطاب اهـ. (كنز العمال جـ١٣/ ٥-٦) .
(٣) البخاري ك ٦٢ ب٥ وفيه بعد قوله ثم عمر «وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين» وأخرجه ابن عساكر عن علي، وقال: المحفوظ أنه موقوف (كنز العمال جـ١١/ ٢٦٨٤، وجـ١٣/ ٩٣٦١٣٩.
[ ٦٨ ]
ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر، وروى عنه أنه سمع ذلك من النبي - ﷺ - ولا ريب أن عليًا لا يقطع بذلك إلا عن علم، وهو الذي يليق بعلي ﵁، فإنه من أعلم الصحابة بحق أبي بكر، وعمر، وأعرف بمكانهما من الإسلام، وحسن تأثيرهما في الدين، حتى أنه تمنى أن يلقى الله بمثل عمل عمر ﵃ أجمعين، وقد سمى علي ﵁ ابنيه: أبا بكر، وعمر.
وكان علي ﵁ يقول: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري (١) . وليس هذا من باب التواضع، بالمتواضع لا يجوز أن يتقدم بعقوبة من يفضله بقول الحق ولا يسميه مفتريًا.
والمتواتر عن ابن عباس أنه كان يفضل أبا بكر وعمر على علي،
وروى ابن بطة بسنده قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا. وقال شريك بن أبي نمر وقال له قائل: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ قال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من يقول هذا، والله لقد رقى على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر. أفكنا نرد عليه قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابًا. وذكر القاضي عبد الجبار وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي (٢) .
وقال الشيخ ﵀ بعد أن ذكر آية ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ
_________________
(١) انظر مناقب العشرة جـ١ ص٤٠١، فضائل الصحابة جـ١/ ٨٣ (رقم ٤٩) .
(٢) وحكى أبو منصور البغدادي إجماع أهل السنة على أن أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة (بيعة الرضوان) ثم باقي الصحابة. (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص٤٤) .
[ ٦٩ ]
مَعَنَا﴾ ولكن ليس في هذا ما يدل على أن عليًا أو عثمان أو عمر أو غيرهم أفضل من أبي بكر، لأنهم لم يكنوا مع النبي - ﷺ - في هذه الحال. ولو كانوا معه لم يعلم أن حالهم سيكون أكمل من حال الصديق، بل معروف من حالهم دائمًا وحاله أنهم وقت المخاوف يكون الصديق أكمل منهم كلهم يقينًا وصبرًا، وعند وجود أسباب الريب يكون الصديق أعظم يقينًا وطمأنينة، وعندما يتأذى منه النبي - ﷺ - يكون الصديق أتبعهم لمرضاته وأبعدهم عما يؤذيه، هذا هو المعلوم لكن من استقرأ أحوالهم في محيا رسول الله - ﷺ - بعد وفاته (١) .