وأما الخلفاء الراشدون والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم والمعارف والعبادات ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصارهم على الكفار وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله.
وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة ﵃ عليه الفضل إلى يوم القيامة، وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدنيا والدين من سائر الصحابة، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود ﵁: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه غير واحد منهم ابن بطة عن قتادة (١) .
فقول عبد الله بن مسعود: كلام جامع بين فيه حسن قصدهم
_________________
(١) المسند جـ٥/٢١١ رقم ٣٦٠٠ ومجمع الزوائد جـ١ / ١٧٨، ١٧٧ قال: ورواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون، وابن بطة: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان أبو عبد الله العكبري صاحب كتاب «الشرح والإبانة على أصول الديانة» المتوفى عام ٣٨٧هـ.
[ ١٠ ]
ونياتهم ببر القلوب، وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف.
فالصحابة أكمل هذه الأمة عقلًا وعلمًا وفقهًا ودينًا، ولهذا أحسن الشافعي ﵀ في قوله: «هم فوقنا في كل فقه وعلم ودين وهدى، وفي كل سبب ينال به علم وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» أو كلامًا هذا معناه.
ومن أراد أن يعرف فضائل الصحابة ومنازلهم عند النبي - ﷺ - فليتدبر الأحاديث الصحيحة التي صححها أهل العلم بالحديث الذين كلمت خبرتهم بحال النبي - ﷺ -، ومحبتهم له، وصدقهم في التبليغ عنه، وصار هواهم تبعًا لما جاء به. فليس لهم غرض إلا في معرفة ما قاله، وتمييز عما يخلط بذلك من كذب الكاذبين، وغلط الغالطين.
وأهل السنة عندهم، أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء، وكذلك أهل بيعة الرضوان.
وقد أثنى الله عليهم هو ورسوله ورضي عنهم وأعد لهم الحسنى كقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ (١) الآية، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٢)، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
_________________
(١) سورة التوبة: ١٠٠.
(٢) سورة الفتح: ٢٩.
[ ١١ ]
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢)، وفي الصحيحين «أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد كلام، فقال: يا خالد لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣) . قال ذلك لخالد بالنسبة إلى السابقين الأولين.
وثبت عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٤) . وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل أولهم على من بعدهم من القرون (٥) .
_________________
(١) سورة الحشر: ٨، ٩.
(٢) رواه مسلم ٤/ رقم ١٩٤٢.
(٣) رواه البخاري ك٦٢ ب١، مسلم ٢٤٩٦.
(٤) يأتي تخريجه تحت عنوان (كل مدح وثناء في القرآن فهو أول داخل فيه) .
(٥) منهاج جـ٣، ٤٥، جـ١/ ٢٢٢، ٢٢٣ جـ ٣/٤٨، جـ٢/٢٥٢، جـ ١/٢٠٤.
[ ١٢ ]