كان أبو بكر يسمر عند النبي - ﷺ - بعد العشاء ويتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه (٥) .
_________________
(١) مسلم ك ٣٢ ح٥٥، ٤٩، ٥٠.
(٢) البخاري ك٥٧ ب١.
(٣) مسلم ك ٣٢/ ٥٦.
(٤) منهاج جـ ٢/١١٩-٢١٥ جـ٣/ ٢٣٠، ٢٣١، جـ٢/ ٢١٧-٢١٩، ١٩٩ (وانظر البداية والنهاية جـ٥/ ٢٨٥) .
(٥) كان أبو بكر ﵁ أسد الصحابة رأيًا وأكملهم عقلًا. (تأريخ الخلفاء للسيوطي ص٤٣) .
[ ٥٧ ]
وأيضًا فكان النبي - ﷺ - إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده في الأمور العظيمة، فإذا خالفه غيره اتباع رأيه دون رأي من يخالفه.
فالأول: أنه استشار أصحابه في أسارى بدر، فتكلم أبو بكر أولًا، فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر، وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تقبل منهم الفدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله - ﷺ - ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، ويمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه. وأشار ابن رواحة بتحريقهم. فاختلف أصحابه فمنهم من يقول الرأي ما رأى أبو بكر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى عمر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى ابن رواحة. قال: فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وذكر تمام الحديث» (١) .
وأما الثاني: ففي يوم الحديبية لما جاءه جاسوسه الخزاعي وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له الأحابيش -وهم الجماعة المستعجمة من قبائل، والتحبش التجمع- وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت استشار أصحابه أهل المشورة مطلقًا هل يميل إلى ذراري الأحابيش، أو ينطلق إلى
_________________
(١) صحيح مسلم ك ٣٢ ح ٥٨.
[ ٥٨ ]
مكة؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي - ﷺ -: «فروحوا إذن» والحديث معلوم عند أهل العلم أهل التفسير والمغازي والسير والفقه، والحديث. رواه البخاري (١)، ورواه أحمد في مسنده (٢) .
ثم إنه لما تكلم عروة بن مسعود الثقفي وهو من سادات ثقيف وحلفاء قريش مع النبي - ﷺ - وأخذ يقول عن أصحابه، «إنهم أشواب» أي أخلاط. وفي المسند «أوباش يفرون ويدعوك» قال له الصديق: امصص بظر اللات، أنحن نفر، وندعه؟!
ثم لما صالح النبي - ﷺ - قريشًا كان ظاهر الصلح فيه غضاضة وضيم على المسلمين، وفعله النبي - ﷺ - طاعة لله وثقة بوعده له وأن الله سينصره عليهم، واغتاض من ذلك جمهور الناس وعز عليهم حتى على مثل عمر، وعلي، وسهل بن حنيف ففي الصحيحين عن أبي وائل قال: «قام سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، وفي لفظ: اتهموا رأيكم على دينكم، لقد كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم، فقال: يا ابن الخطاب: إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا. قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: ألسنا على حق وهم على باطل؟
_________________
(١) البخاري ك ٦٤ ب٣٥.
(٢) جـ٦/ ٣٤٢.
[ ٥٩ ]
قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل القرآن على رسول الله - ﷺ - بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفس عمر ورجع (١) .
وتاب الله على الذين عارضوا ذلك ﵃.
وهذا من أبين الأمور دلالة على موافقته للنبي - ﷺ - ومناسبته له واختصاصه به قولًا وعملًا وعلمًا وحالًا إذ كان قوله من جنس قوله، وعمله من جنس عمله، وفي المواطن التي ظهر فيها تقدمه على غيره في ذلك (٢) .