١- في صحيح مسلم: أن أصحاب محمد - ﷺ - كانوا معه في سفر فذكر الحديث وفيه: «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا» (٤) .
٢- استخلافه في الصلاة، وهو متواتر ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه كما أخرج البخاري ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم من أهل الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «مرض النبي - ﷺ - فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل
_________________
(١) أخرجه البخاري ك ٦٢ ب٥، ك٩٦، ب٢٤، مسلم ص١٨٥٦، ١٨٥٧.
(٢) أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سل لنا رسول الله - ﷺ - إلى من ندفع صدقاتنا بعدك: فقال: إلى أبي بكر، وصححه الحاكم وأورده الطبراني أيضًا عن عصمة بن مالك (فتح الباري جـ٧/ ٢٤) .
(٣) منهاج جـ٤/٢٩٥، جـ١/١٨٤ جـ٣/٢٦٧.
(٤) صحيح مسلم ٦٨١، وفيه ثم قال: «ما ترون الناس صنعوا. قال: ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر، وعمر رسول الله - ﷺ - بعدكم لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: إن رسول الله - ﷺ - بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر، وعمر يرشدوا» الحديث، وفي المسند جـ٥/٢٩٨ حديث أبي قتادة قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقال إنكم إن لا تدركوا الماء غدًا تعطشوا، وانطلق الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله - ﷺ - الحديث، وفيه فقال: «أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض إن رسول الله - ﷺ - بالماء وفي القوم أبو بكر، وعمر فقالا: أيها الناس إن رسول الله - ﷺ - لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم وإن يطع الناس أبا بكر، وعمر يرشدوا قالها ثلاثًَا» الحديث.
[ ٨٦ ]
بالناس، قالت عائشة ﵂: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقوم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس. قال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فعادوت، فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي - ﷺ -» (١) وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف (٢) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقالت له: فقال رسول الله - ﷺ -: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس» (٣) .
فصلى بهم مدة مرضه - ﷺ - من يوم الخميس إلى يوم الخميس إلى
_________________
(١) ابن خزيمة جـ٣/٦٠.
(٢) سريع الحزن والبكاء.
(٣) البخاري ك ١٠ ب ٤٦، ٣٩، ٦٧، ٦٨، ٧٠ ك ٩٦ ب ٥، مسلم (ك ٤ ب ٢١) . قال ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» جـ٥/ ٢٤٤: لما مات النبي - ﷺ - كان الصديق ﵁ قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح، وكان إذ ذاك قد أفاق رسول الله - ﷺ - إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع وكشف ستر الحجرة، ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأعجبه ذلك وتبسم صلوات الله وسلامه عليه، حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به، وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم أن يمكثوا كما هم وأرخى الستارة وكان آخر العهد به ﵊. فلما انصرف أبو بكر من الصلاة دخل عليه، وقال لعائشة: ما أرى رسول الله - ﷺ - إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة وكانت ساكنة بالسنح، فلما مات واختلف الصحابة فيما بينهم فمن قائل يقول: مات الرسول، ذهب النبي - ﷺ -، ومن قائل: لم يمت، فذهب سالم بن عبيد إلى الصديق
[ ٨٧ ]
يوم الاثنين، فكان مدة مرضه فيما قيل اثني عشر يومًا، وكانت حجرته - ﷺ - إلى جانب المسجد. ففي هذا أنها راجعته، وأمرت حفصة بمراجعته، وأن النبي - ﷺ - لامهن على هذه المراودة، وجعلها من المراودة على الباطل، كمراودة صواحب يوسف ليوسف، فدل هذا على تقديم غير أبي بكر في الصلاة من الباطل الذي يذم من يراود عليه، هذا مع أن أبا بكر قد قال لعمر يصلي فلم يتقدم عمر، وقال: أنت أحق بذلك، فكان في هذا اعتراف عمر له أنه أحق بذلك منه، كما اعترف له أنه أحق بالخلافة منه ومن سائر الصحابة. وأنه أفضلهم (١) .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لقد راجعت رسول الله - ﷺ - في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر (٢) .
وكشف الستارة يوم مات وهم يصلون خلف أبي بكر فسر بذلك ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁، أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله - ﷺ - ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (٣)، ثم تبسم رسول الله - ﷺ - ضاحكًا، قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله - ﷺ -، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله - ﷺ - خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله - ﷺ - بيده أن أتموا
_________________
(١) كما يأتي.
(٢) البخاري ك ٦٤ ب٨٣ مسلم ك ٤ ح ٩٣ رقم ٣١٣.
(٣) عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته.
[ ٨٨ ]
صلاتكم. ثم دخل رسول الله - ﷺ - فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله - ﷺ - من يومه ذلك (١) .
وخرج النبي - ﷺ - مرة فصلى بهم جالسًا وبقي أبو بكر يصلي بأمره سائر الصلوات ففي الصحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «دخلت على عائشة، فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى، ثقل النبي - ﷺ - فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي الماء في المخضب (٢) ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تصلي بالناس. فقال: أبو بكر وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر صل بالناس. قال فقال عمر: أنت أحق بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله - ﷺ - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي - ﷺ - أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله - ﷺ -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي - ﷺ - قاعد. قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ فقال: هات.
_________________
(١) البخاري ك ٢١ ب ٦ مسلم ك ٤ رقم ٤١٩.
(٢) المخضب: إناء نحو المركن الذي يغتسل فيه.
[ ٨٩ ]
فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي» (١) .
فهذا حديث اتفقت فيه عائشة وابن عباس كلاهما يخبران بمرض النبي - ﷺ - واستخلاف أبي بكر في الصلاة، وأنه صلى بالناس قبل خروج النبي - ﷺ - أيامًا، وأنه لما خرج لصلاة الظهر أمره أن لا يتأخر بل يقيم مكانه وجلس النبي - ﷺ - إلى جنبه، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وأبي وبكر يصلي بصلاة النبي - ﷺ -، والعلماء كلهم متفقون على تصديق هذا الحديث وتلقيه بالقبول، وتفقهوا في مسائل فيه. وكان قد استخلفه في الصلاة قبل ذلك لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. ولم ينقل أن النبي - ﷺ - استخلف في غيبته على الصلاة في حال سفره وفي حال غيبته في مرضه إلا أبا بكر، ولكن عبد الرحمن بن عوف صلى بالمسلمين مرة صلاة الفجر في السفر عام تبوك؛ لأن النبي - ﷺ - قد ذهب ليقضي حاجته فتأخر (٢) (٣) .
٣- وفي الترمذي مرفوعًا: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره» (٤) .
٤- ومثل قوله في الحديث الصحيح على منبره: «لو كنت متخذًا
_________________
(١) البخاري ك ١٠ ب٤٧، ٥١، ٦٧ ك ٦٤ ب ٨٣ مسلم رقم (٣١١) قلت: وممن أخرج أحاديث استخلاف النبي - ﷺ - لأبي بكر في الصلاة مالك في الموطأ (١/١٧٠، ١٧١) والترمذي رقم (٣٦٧٣) والنسائي (٢/٨٩-١٠٠)، ٤/٧.
(٢) روى ذلك مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ك٤ ح ١٠٢-١٠٤ والبخاري ك ١٠ ب ٤٨.
(٣) منهاج السنة جـ٤/٢٩٠-٢٩٦ جـ١/١٨٤.
(٤) منهاج جـ٤/٤٥ والحديث أخرجه الترمذي في أبواب المناقب رقم ٣٧٥٥ وقال: هذا حديث غريب.
[ ٩٠ ]
من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر» (١) .
والقائلون بالنص الجلي استدلوا على ذلك باتفاق الصحابة على تسميته خليفة رسول الله - ﷺ - (٢)، قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره، واعقدوا بأن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن رسول الله - ﷺ - استخلفه على أمته، وقالت طائفة: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهي فعيل بمعنى فاعل. وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر، فكان هو الخليفة.
قال الشيخ ﵀: وأهل السنة يقولون خلفه، وكان هو أحق بخلافته (٣) .