بالكتاب والحديد
الدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) .
فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده. وأبو بكر ثبت بالكتاب والسنة أن الله أمر بمبايعته، والذين بايعوه كانوا أهل السيف المطيعين لله في ذلك. فانعقدت خلافة النبوة في حقه بالكتاب والحديد (٣) .
_________________
(١) منهاج جـ٤/٢٣٢.
(٢) سورة الحديد: ٢٥.
(٣) منهاج جـ١/١٩٠، ١٩١.
[ ١٢١ ]
أعمال أبي بكر بعد الاستخلاف
وهي من فضائله ﵁
قام ﵁ مقام رسول الله - ﷺ -، ولم يخل بشيء، كما قال عن نفسه: إني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ (١) .
وعلى وجه التفصيل قام من الأعمال الجليلة بالأعمال الآتية:
١- ثبت المسلمين وقواهم:
أهل مدينة رسول الله - ﷺ - أسلموا طوعًا المهاجرون منهم والأنصار، وهم قاتلوا الناس على الإسلام، ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد، بل ضعف أغلبهم بموت النبي - ﷺ -، وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه حتى ثبتهم الله وقواهم بأبي بكر ﵁، والذي أيد الله به الإسلام في حياة رسوله، وحفظه به بعد مماته، فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أنس: خطبنا أبو بكر ﵁ وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود (٢) .
٢- قاتل المرتدين:
الذين ارتدوا بعد موت النبي - ﷺ - إنما كانوا ممن أسلموا بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد.
_________________
(١) يشير إلى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
(٢) منهاج جـ٤/١٣٧، ١٢٩، ٥٨، ٥٩، ١٦٥، وقال ابن كثير: قال محمد بن إسحاق: ولما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر ﵁ (البداية والنهاية جـ٥/ ٢٧٩) .
[ ١٢٢ ]
وتواتر عند الناس أن الذي قاتل أهل الردة هو أبو بكر الصديق وأصحابه قاتل مسيلمة الكذاب المدعي للنبوة وأتباعه بني حنيفة، وأهل اليمامة. وقد قيل: إنهم مائة ألف أو أكثر. وقاتل طليحة الأسدي وكان قد ادعى النبوة بنجد واتبعه من أسد وغطفان ما شاء الله، وادعى النبوة سجاح -امرأة تزوجها مسيلمة الكذاب- فتزوج الكذاب بالكذابة. وأيضًا فكان من العرب من ارتد عن الإسلام لم يتبع متنبئًا كذابًا، وقد ذكر أئمة التفسير أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) أنهم أبو بكر وعمر ومن تبعهما من أهل اليمن وغيرهم.
فمن أعظم فضائل الصديق عند الأمة أولهم وآخرهم أنه قاتل المرتدين. وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة؛ بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب (٢) .
٣- قاتل مانعي الزكاة:
وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون امتنعوا من أدائها بالكلية فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدوها إليه. وقد حصل لعمر أولًا شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه، والقصة في ذلك مشهورة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا
_________________
(١) سورة المائدة: ٥٤.
(٢) منهاج جـ٤/١٢٩، ٥٨، ٥٩، ٢٢٨، وأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ﴾ الآية قال: هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام (تأريخ الخلفاء ص٦٥) .
[ ١٢٣ ]
مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» قال أبو بكر: ألم يقل «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي - ﷺ - فبين له الصديق أن قوله «بحقها» يتناول الزكاة، فإنها حق المال.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (١) فهذا اللفظ الثاني الذي قاله الرسول - ﷺ - بين فقه أبي بكر وهو صريح في القتال على أداء الزكاة، وهو مطابق للقرآن، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها (٣) .
٤- راسل أهل الردة:
لما ركب الصديق في الجيوش شاهرًا سيفه مسلولًا من المدينة إلى ذي القصة (٤) وعقد أحد عشر لواءً، ودفعها إلى الأمراء، كتب معهم كتابًا وهذه نسخته:
_________________
(١) صحيح مسلم ك١ ب٨، البخاري ك٢٤ ب ٢ فيه حديث أبي هريرة «إلا بحقها» وحديث جابر «بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة» .
(٢) سورة التوبة: ٥.
(٣) منهاج جـ٤/١٣٧، ١٢٩، ٥٨، ٥٩، ١٦٥، ٢٢٨، ٢٢٩.
(٤) وهي من المدينة على مرحلة.
[ ١٢٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
من أبي بكر خليفة رسول الله - ﷺ - إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه أو رجع عنه.
سلام على من اتبع الهدى
فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده.
أما بعد، فإن رسول الله أرسل بالحق من عنده بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله - ﷺ - من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعًا أو كرهًا.
ثم توفى الله رسوله وقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٢)، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ الأمر منتقم من عدوه.
_________________
(١) سورة الزمر: ٣٠.
(٢) سورة الأنبياء: ٣٤.
(٣) سورة آل عمران: ١٤٤.
[ ١٢٥ ]
وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم - ﷺ -، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله؛ فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالًا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١) ولن يقبل له عمل حتى يقر به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.
وقد بغلني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارًا بالله وجهلًا بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣) .
وإني بعثت إليكم في جيشي من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله ﷿، فإن أجاب وأقر وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله، ثم لا يبقي لأحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن تبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله.
وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم. والداعية
_________________
(١) سورة الكهف: ١٧.
(٢) سورة الكهف: ٥٠.
(٣) سورة فاطر: ٦.
[ ١٢٦ ]
الأذان، فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليه، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم ما ينبغي لهم» رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (١) (٢) .
٥- أنقذ جيش أسامة:
جهر رسول الله - ﷺ - جيش أسامة قبل أن يمرض -وأمره على جيش عامهم المهاجرون- وروي أن عمر كان ممن انتدب معه، لا أن النبي - ﷺ - عين عمر ولا غير عمر للخروج معه. ولم يكن أبو بكر في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، بل كان النبي - ﷺ - استخلفه من حين مرض إلى أن مات. كان ذلك الجيش ثلاثة آلاف، وأمره أن يغير على أهل مؤتة وجانب فلسطين حيث أصيب أبوه وجعفر وابن رواحة، فتجهز أسامة للغزو، فدعا رسول الله - ﷺ - أسامة فقال: اغد على بركة الله والنصر والعافية، ثم أغر حيث أمرتك أن تغير. قال أسامة: يا رسول الله قد أصحبت ضعيفًا، وأرجو أن يكون الله قد عافاك، فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس. فسكت عنه رسول الله - ﷺ -، وتوفي رسول الله - ﷺ - بعد ذلك بأيام.
_________________
(١) اهـ من البداية والنهاية جـ٦/٣١٥، ٣١٦.
(٢) وبعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى أرض البصرة فغزا الأبلة فافتتحها، وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحًا وحربًا، وفيها أقام الحج أبو بكر الصديق، ثم رجع فبعث عمرو بن العاص والجنود إلى الشام فكانت وقعة أجنادين في جماد الأولى سنة ثلاث عشرة، ونصر المسلمون، بشر بها أبو بكر وهو في آخر رمق، (تأريخ الخلفاء) .
[ ١٢٧ ]
فلما جلس أبو بكر للخلافة أنفذه مع ذلك الجيش، غير أنه استأذنه في أن يأذن لعمر بن الخطاب في الإقامة، لأنه ذو رأي ناصح للإسلام فأذن له. وسار أسامة لوجهه الذي أمر رسول الله - ﷺ - فأصاب في ذلك العدو مصيبة عظيمة، وغنم هو وأصحابه وقتل قاتل أبيه، وردهم الله سالمين إلى المدينة. وأشار عليه غير واحد أن يرد الجيش خوفًا عليهم؛ فإنهم خافوا أن يطمع الناس في الجيش بعد موت رسول الله - ﷺ - فامتنع أبو بكر من رد الجيش، وأمر بإنفاذه، وقال: لا أحل راية عقدها رسول الله - ﷺ - فلما رآهم الناس يغزون بعد موت رسول الله - ﷺ - كان ذلك مما أيد الله به الدين، وشد به قلوب المؤمنين، وأذل به الكفار والمنافقين، وكان ذلك من كمال معرفة أبي بكر وإيمانه ويقينه وتدبيره ورأيه ﵁ (١) .
٦- شرع في قتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يعطوا الجزية:
بعد غزو النبي لهم في مؤتة، وبعد فراغ النبي من قتال العرب.
شرع ﵁ في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق، وهو ممن دعوا إلى قتالهم قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢) وأظهر الأقوال في الآية: أن المراد ستدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب - وهؤلاء هم الروم والفرس- لأن آية الجزية لم تنزل إلا بعد فراغ النبي - ﷺ - من قتال العرب. وأول الدعوة إلى قتال الروم عام مؤتة، وأول قتال كان معهم في غزوة مؤتة عام ثمان قبل تبوك، فقتل فيها أمراء المسلمين زيد
_________________
(١) منهاج جـ٣/١٢٢، جـ٤/ ٢٧٨ جـ٢/٢٢٦، ٢٤، ٢٢٥، ١٢٦، ١٢٠ جـ٣/٢١٣، جـ ط/ ١٢٦، ١٢٠.
(٢) سورة الفتح: ١٦.
[ ١٢٨ ]
وجعفر وابن رواحة، ورجع المسلمون كالمنهزمين. وفي السنة التاسعة غزا النبي - ﷺ - النصارى (بني الأصفر) عام تبوك، وأكد القرآن الأمر في عام تبوك، وذم المتخلفين عن الجهاد ذمًا عظيمًا؛ لكنهم لم يقاتلوا النبي - ﷺ - ولم يسلموا، فلما نزلت (براءة) وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار، وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن له حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب قبل نزولها. ولما أمره الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، أخذا لجزية من المجوس وصالح نصارى نجران على الجزية، وإذا أمرهم أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فغيرهم أولى أن يقاتلوا ولا يعاهدوا.
لكن في زمن الصديق والفاروق كان لا بد من أحد الأمرين: إما الإسلام وإما القتال، وبعد القتال أدوا الجزية، لم يؤدوا الجزية بغير قتال؛ لأنه أولو بأس شديد ولا يجوز مهادنتهم. ومعلوم أن أبا بكر وعمر بل وعثمان في خلافتهم قوتل هؤلاء فضربت الجزية على أهل الشام والعراق والمغرب، فهذه صفة الخلفاء الراشدين الثلاثة، فيمتنع أن تكون الآية مختصة بغزوة مؤتة ولا يدخل فيها قتال المسلمين في فتوح الشام والعراق والمغرب وخراسان وهي الغزوات التي أظهر الله فيها الإسلام، وظهر الهدى ودين الحق في مشارق الأرض ومغاربها. وإذا قيل: أنه دخل فيها قتال المرتدين؛ لأنهم يقاتلون أو يسلمون كان أوجه من أن يقال قتال مكة وأهل حنين.
وأبو بكر دعاهم إلى قتال المرتدين، ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال
[ ١٢٩ ]
البربر ونحوهم (١) . وقد حصل الاستخلاف في الأرض في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتمكن الدين والأمن بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقية، قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) (٣) .
٧- أمره بجمع القرآن:
وفي سنة اثنتي عشرة أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللخف والعسب وصدور الرجال، وذلك عندما استحر القتل في القراء يوم اليمامة، كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت ﵁، قال: «أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن استحر القتل بالقراء. بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ قال: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى
_________________
(١) قال ابن كثير ﵀: فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر، وعثمان، وهما فرعا الصديق.
(٢) سورة النور: ٥٥.
(٣) منهاج جـ١/١٠٩، ١٠، جـ٤/٢٧٧-٢٨١.
[ ١٣٠ ]
شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر » الحديث (١) (٢) (٣) (٤) .
٨- استخلافه عمر بعده:
لما علم أبو بكر ﵁ أنه ليس في الأمة مثل عمر، وخاف أن لا يولوه إذا لم يستخلفه لشدته في الله فولاه هو كان ذلك هو المصلحة للأمة، فما فعله صديق الأمة هو اللائق به، فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر ذلك الرأي الميمون على المسلمين؛ فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليًا أو طلحة، أو الزبير، أو سعدًا، أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستخلاف كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قال: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (٥) وامرأة العزيز حيث قالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٦) وأبو بكر حيث استخلف عمر (٧) . ولما استخلف عمر كره خلافته طائفة حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظًا غليظًا. فقال: أبالله
_________________
(١) البخاري ك ٩٣ ب٣٧ ك ٦٦ ب ٣، ٤.
(٢) منهاج جـ٣/١٦٣، جـ٤/٢١٤، ١٢٤.
(٣) البداية والنهاية جـ٦/ ٣٥٣.
(٤) وأخرج أبو يعلى عن علي ﵁ قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين، وهو أول من سماه مصحفًا. (تأريخ الخلفاء) .
(٥) سورة القصص: ٢٦.
(٦) سورة يوسف: ٢١.
(٧) أخرجه الحاكم جـ٣/٩٠ وابن سعد.
[ ١٣١ ]
تخوفوني؟! أقول: وليت عليهم خير أهلك. وقد رجع طلحة عن ذلك ﵁ (١) (٢) .
قلت ويأتي بيان ما جعل الله فيه من الرحمة بعد الولاية.