دلالة آية ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ﴾ على أفضلية من سبعة أوجه
لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، قال الله تعالى: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
_________________
(١) منهاج جـ٤/ ٢٤٣-٢٤٥ وانظر مجموع الفتاوى جـ ٤/٤٦٤، ٤٦٥.
[ ٢٩ ]
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية (١) .
ففي الآية الكريمة من فضائل الصديق:
١- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول - ﷺ - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع، فإن الكفار أخرجوا المهاجرين كلهم كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ (٣) وذلك أنهم منعوهم أن يقيموا بمكة مع الإيمان، وهم لا يمكنهم ترك الإيمان، فقد أخرجوهم إذ كانوا مؤمنين (٤) .
٢- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو بكر، وكان ثاني اثنين الله ثالثهما. قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ يدل على قلة
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٠. قال ابن كثير ﵀: لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه خرج منهم هاربًا صحبه صديقه وصديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجآ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر ﵁ يجزع أن يطلع عليهم فيخلص إلى الرسول منهم أذى، فجعل النبي - ﷺ - يسكنه ويثبته. (تفسير ابن كثير جـ٢ ص٣٥٨) .
(٢) سورة الحشر: ٨.
(٣) سورة الحج: ٣٩-٤٠.
(٤) منهاج جـ ٤/٣٣، ٢٦٦، ٢٦٧.
[ ٣٠ ]
العدد، فإن الواحد أقل ما يوجد، فإذا لم يصحبه إلا واحد دل على أنه في غاية القلة.
وأيضًا ففي المواضع التي لا يكون مع النبي - ﷺ - من أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد: مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبو بكر. وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي - ﷺ - (١) .
٣- صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) . وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه (٣) .
٤- أنه صاحبه المطلق:
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ لا يختص بمصاحبته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي كمل في الصحبة كمالًا لم يشركه فيه غيره -
_________________
(١) منهاج جـ٤/٧، ٢٥٥، ٢٥٢.
(٢) البخاري ك٦٥ سورة ٩ ب٩ ولفظه «كنت مع النبي - ﷺ - في الغار فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وأخرجه مسلم رقم (١٨٥٤) .
(٣) منهاج جـ٤/٢٤٠-٢٤١.
[ ٣١ ]
فصار مختصًا بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي - ﷺ - وأصحابه، كما في الحديث الذي رواه البخاري، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - وفيه: «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فقد تبين أن النبي - ﷺ - خصه دون غيره مع أنه جعل غيره من أصحابه أيضًا؛ لكنه خصه بكمال الصحبة، ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره (١) .
٥- أنه المشفق عليه:
قوله: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محبًا له ناصرًا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه. وكان حزنه على النبي لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي - ﷺ - عن ذلك، فقال: «أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك» رواه أحمد في كتاب مناقب الصحابة، فقال: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: «لما هاجر النبي - ﷺ - خرج معه أبو بكر فأخذ طريق ثور، قال: فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي - ﷺ - ما لك؟ قال: يا رسول الله أخاف أن تؤتى من خلفك فأتأخر، وأخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله كما أنت حتى أيمه» قال نافع حدثني رجل عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر رأى جحرًا في الغار فألقمها قدمه، وقال يا رسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي» فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله - ﷺ - وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على
_________________
(١) جـ ٤/ ٢٥٢، ٢٤٥.
[ ٣٢ ]
كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك (١) .
٦- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ صريح في مشاركة الصديق للنبي في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم فيكون النبي - ﷺ - قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا آمنوا في الحياة الدنيا﴾ (٢) . وهذا غاية المدح لأبي بكر، إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالإيمان المقتضى نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر (٣) وقال من أنكر صحبته فهو كافر؛ لأنه كذب القرآن. وقالت طائفة كأبي القاسم السهيلي وغيره: هذه المعية الخاصة لم تثبت لغير أبي بكر، وكذلك قوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» بل ظهر اختصاصهما في اللفظ كما ظهر في المعنى؛ فكان يقال للنبي: محمد رسول الله، فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون: خليفة رسول الله. فيضيفون الخليفة إلى رسول الله المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف إلى الله مضاف إلى الله، وتحقيقًا لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فلما تولى عمر بعده صاروا يقولون: أمير المؤمنين، فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر على سائر الصحابة (٤) .
_________________
(١) منهاج جـ٤/ ٢٦٢، ٢٦٣.
(٢) سورة غافر: ٥١.
(٣) أخرجه ابن عساكر.
(٤) منهاج جـ٤/ ٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٣٣ ]
٧- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم إنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه المذكور فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه (٢) .